2009/08/17

في فانكوفر .. ٩

في الأسبوع الثالث بدأت مسابقة الـ FireWorks التي تقام كل صيف. فازت كندافي العام
الماضي، و أعزو ذلك إلى نسبة تصويت الكنديين لبلدهم. في هذه السنة شاركت أربعة دول.
كندا، أفريقيا الجنوبية، بريطانيا، و الصين. دارت أحداث المسابقة في خميس و سبت أسبوعين
متتاليين. كانت كندا هي الأولى في عرضها. كان كل عرض يبدأ في الساعة التاسعة و يدوم
نصف ساعة. في المدرسة أخبرونا أنه من الأفضل الإسراع إلى مكان الحدث، English Bay،
حيث ستبدأ الجموع بالتوافد هناك في ساعات مبكرة من الحدث. انطلقت مع صديقي فور انتهاء
الدوام في الساعة الخامسة و تواجدنا على شاطئ الموقع. English Bay هو أحد شواطئ
فانكوفر الجميلة المحاذي لـ Stanley Park. تقف في وسط المياه أمامنا سفينة تحمل الألعاب
النارية فيها. انتظرنا حتى الساعة التاسعة مساء تحت سطوة الشمس الحارقة. و بدأ العرض.
كان جميلاً جداً، و لكنه لم يتسلزم ذلك الحضور المبكر ! كان بإمكاننا الحضور قبل العرض
بساعة و الحصول على مكان ملائم.

في الساعة الأولى من حضورنا كان المكان خالياً إلا من قليل من المتشمسين. و بدأت الأعداد
بالتزايد مع كل ساعة. مجموعة تلعب كرة الطائرة في الزاوية اليسرى من مكاننا. و مجموعة
أخرى تلعب بالفريزبي في الزاوية اليمنى. و أخرى تتقاذف كرة القدم الأمريكية أمامنا. كريمات
للحماية من أشعة الشمس. و مناشف " منطولة " على الأرض " يتسدحون " عليها. عصائر، بيرة،
Hot Dog، دونات، و بعض يقرأ بعض كتب. استندنا على جذع شجرة ألقى، كبقية جذوع
الأشجار الملقاة، بعناية و تنظيم لتكون متكأ.

تعجبت من روعة الألعاب النارية في عرض كندا. و لكن عرض جنوب إفريقيا كان الأروع في
نظري. كانت أسطورة لن تنسى أبداً ! كان موقفاً طويلاً نقش لفترة أطول. كموقف قديم لا زلت
أذكره و لا أعلم لماذا ! حينما كنت على شاطئ الخبر و أهدتني خالتي وردة في أحد أعياد
الأضحى. لم تكن الوردة الأولى المهادة لي، و لم تكن الهدية الأولى التي تهدى من غير ميعاد
و سبب. و لكنها حتماً تحمل طابعاً لم أألفه من قبل. أذكر حينها الساعات الطوال التي جلست
فيها محدقاً في أمواج تلعب بقدمي و صوتها الهادي يشنف أذني بنغم لم أستلذه قط مثل ذلك
اليوم. تمنيت حينها لو تُرجمتْ أحاسيسي شعراً خالداً لا يمحى من صفحة الذكرى. و لكنها أبت
إلا المكوث في جنباتي من دون أيما سبب للتميز !

في يوم عرض جنوب أفريقيا، كان الجو ممطراً، ممطراً بشدة. قررت حينها البقاء مع " لاب توبي "
في غرفتي أتسامر مع أفلامي. و لكن حب التجربة فيني أرغمني على الخروج. أحب النظافة و
الترتيب كثيراً، لذلك كنت أخشى من توسخ ملابسي و ابتلالها. عذر أقبح من ذنب لم أتقبله.
لبست " جنزي "، و كان قراراً خاطئاً، و جزمتي البيضاء، قراراً آخر خاطئ، و توجهت إلى
الشاطئ. أمام المنزل وقفت في انتظار الحافلة بـ " جاكيتي ” الأسود أضع قبعته على رأسي
لتقيني من المطر ! ابتسمت لفكرة في رأسي. خلعت القبعة و جلست أنتظر الحافلة و المطر يلعب
بشعري. شعور جميل أن تتخطى الحدود. أن تكسر الأنظمة. أن تتجاوز الخطوط التي ألفت
اتباعها. التهور الذي كنت أعيشه دهراً و نسيته بعد حين، عدت له في تلك الليلة. كعصفور يرفرف
حراً في سماء لا تنتهي شعرت. وصلت الحافلة. دخلت. مضينا ركاباً تلبسهم المياه كما يلبسونها.
في المحطة الأخيرة نزلنا متوجهين إلى الشاطئ. مسافة الساعة تفصلنا عنه. أفواجاً كالحجاج
نسير. البعض يرفع أطرف جنزه، و آخرون يلعبون بالماء فرحاً. كثير يمشون في " برستيج "
مذل. “ برستيج " يحرمهم من حرية الحياة. من المتعة التي لولاها لما استطعنا العيش.

وصلت قبل العرض بعشر دقائق. أقف بجانب عمود الإضاءة عند رأس الدرج. بدأ العرض.
أذكر حينها تلك الدقائق السحرية التي عشتها بين بروق و رعود و ألعاب نارية و موسيقى. كان
مزيجاً متناغماً لم يخطط له. قطرات المطر التي تصافح المياه بكل حرارة. برق يشق عباب السماء
بكل جراء. و رعد يزيد من ضجة الموسيقى. ألعاب نارية بألوان أجمل من الخيال. مظلات تغطى
وجه الشاطئ و كاميرات لا تتوقف عن التصوير. دقائق شاعرية. دقائق لا تنسى، و كيف تنسى ؟!!


في نفس الأسبوع، أيضا، انتقلت إلى المستوى السادس في مدرستي. Martha هي مدرستي.
قالتلي بولينا أنها مدرسة مجنونة. ترفع صوتها فجأة و تركض فجأة و كل شي عندها بنظام
الفجأة ! و رغم ذلك كله إلا أن حصتها ممتعة و جميلة.
في لوحة الطلبات كتبت طلب تغيير المدرسة حتى قبل اللقاء بها. بعد انتهاء الحصة الأولى ذهبت
و شطبت الطلب. لا أعلم لماذا أقع أحياناً في اعتماد قرارات تعكس أذواق أناس آخرون !!
أحببت حصصها و شخصها المفاجئ. كبيرة في السن كانت. صغيرة في الروح و المرح. عينان
ناعستان لا تترجم واقع تصرفاتها إطلاقاً. قضيت في فصلها ثلاثة أسابيع انتقلت بعدها إلى
المستوى الأخير. كانت من أجمل أسابيعي. تقول لي أن أجيد اللغة و لكن الممارسة تنقصني. أعلم
ذلك جيداً و لكن ما ينقصني حقاً هو الثقة و الجرأة التي لم تخني قبل ذلك قط !

درست معها أسبوعاً عن الفن و آخر عن الحيوانات و أخيراً قواعد اللغة الإنجليزية التي أحبها
و أجيدها. في أسبوع الفن عرضت لنا فيلماً وثائقياً عن رسامة أثارة جدلاً قبل أربعة سنوات في
إمريكا تسمى Marla. تبلغ من العمر أربع سنوات. و ترسم لوحات تشكيلية رائعة. يضحك أحد
المعلقين في الفيلم الوثائقي قائلاً: [ و هذا أكبر دليل على أن الفن التشكيلي مجرد فشل و لعب
بالفرشاة ]
.

أعجبت بالفكرة. و لأني أحب الرسم و أميل إلى الرسم التشكيلي الذي من خلاله أستطيع
استخراج مكنونات نفسي الدفينة، مشاهداً لا رساماً طلبت من مارثا أن تقرضني " السيدي "
لليلة لأعيد مشاهدته و الإطلاع على المقاطع التي لم تعرضها لنا. ذهبت في اليوم التالي إلى
معرض فانكوفر للفن. كان يعرض حينها الفن الهولندي الذي لم يعجبني فيه إلا رسوم
" البورتريه " و دقتها. و في الدور الثالث كان دوراً خاصاً بالرسام الكندي Jack Shadbolt.
و هو رسام تشكيلي تتلمذ على يدي الرسامة الكندية التشكيلية Emily Carr. و كان أحد
الأمثلة التي تفوق الطالب على معلمه. يمنع التصوير في المعرض و لكن إعجابي بالرسومات كان
أكبر من اتباع التعليمات. ثم ذهبت إلى الدور الرابع لأتفاجأ بصور " مجنووون " يدعى
Andreas Gursky. مصور خرج عن حدود المعقول بصورة التي عنت بالتنظيم الفوضوي من
وجهة نظري التعبيرية. و يمكنكم الإطلاع على صورة التي لم أتمكن من تصويرها عن طريق
البحث بواسطة اسمه في العم Google.


الأسبوعان الرابع و الخامس لم يكونا كسابقيهم من الأسابيع. رغم وجود بعض الفعاليات إلا
أنها لم تكن بكثرة الأسابيع الأول. ذهبت في الأسبوع الرابع لقراءة كتاب " حياة في الإدارة "
لغازي القصيبي، الكتاب الذي أهداه أبو يارا لي، في الحديقة المطلة على الميناء بجانب البلورة
العلمية. و في الأسبوع ذاته، خرجت مع أصدقائي السعوديين للعب كرة القدم يوم الجمعة و التي
أصبحت عادة عصر كل جمعة. نبدأ الساعة الخامسة و ننتهي قرب التاسعة ! يتجمع معظم
الطلبة السعوديون هناك و غير السعوديين من العرب و العجم. ثم نذهب بعدها لتناول العشاء معاً
في مطعم مختلف كل أسبوع. تناول وجبة العشاء في الأسبوع الرابع في مطعم Vera's المشهور
بـ " هامبرجراته ". كانت وجبة متخمة ولكن لذيذة. ذهبنا بعدها للعرض البريطاني.

في الأسبوع الخامس ذهبت مع أصدقائي السعوديين الأربعة إلى الـ Play Land، مدينة الملاهي
المشهورة في فانكوفر. لعبنا فيها جميع الألعاب المرعبة. أحد أصدقائي، و الذي يبلغ من العمر
34 سنة، ركب معنا قطار الموت دون شعور منه في غمرة أسئلته ل يعن قواعد اللغة الإنجليزية.
قاطعته و نحن في الصعود إلى القمة قبل النزول فجأة قائلاً: [ يبو .. الحين بنطيح ! ] حينها
بدأ بالصراخ و التلعين متشبثاً بي. بينه و بين الدموع " عطسة " ! ضحكنا حد الدموع لحظة
رؤيتنا لوجهه في الصور التي ألتقطت لنا.

إلى هنا أتوقف، حتى لا تملوا !




صور مختارة (اضغط على الصورة للتكبير)




الأفواج متجهين للألعاب النارية.


قبل ساعة من بداية العرض في الـ English Bay


أحد المنتمين لدولة الميروانا، نوع من أنواع المخدرات !


قبيل بداية العرض لحظات الغروب


صورة لعرض كندا


الصورة تتكلم


بعض رسومات Shatbold


تابع


تابع


البلورة العلمية المطلة على الميناء.


صورة للإستاد المواجه للبلورة.


ملعب كل جمعة



مطعم Vera's


تابع، وجبتي.


الـ Play Land و تظهر لعبة قطار الموت يميناً


تابع، لحظة صعود القطار


اللعبة اللي ختمنا بها يومنا في الملاهي.


2009/08/16

في فانكوفر .. ٨

الأسبوع الثالث، بعد سفر دينيس، كان أسبوعاً كئيباً بعض الشي. فقد تعودت الخوض في نقاشات
طويلة مع دينيس حول المذاهب و الثقافات و الفكر و أمور مختلفة. و لأني أحب الأدب العربي كثيراً.
فكرت في خوض تجربة شعرية جديدة في الأدب الغربي. صادف أن دينيس لها تجارب في هذا المجال.
نصحتني بالقراءة لعدد من الكتاب و أرتني بعض قصائدها. أعلم جيداً أن ذائقيتي صعبة الإرضاء لذلك
لم تصل قصائدها إلى المستوى المأمول. أخبرتها بأنها جميلة و لكنها تحتاج إلى كثير من الإمعان. أؤمن
أن روعة الأدب، شعراً كان أم نثراً، لا بد أن ينعكس من جراء إلهام لا خيال ! و قد يكون هذا الإلهام
قصة حقيقية عاشها الأديب أو سمع بها، أو حتى مشاعر مضطربة تشكلت إثر عوامل مختلفة مكنته من
إنتاج ما ينتج من أدب.

قبل أن تودعنا دينيس قمنا بأخذ صورة جماعية. ثم دارت بيننا ورقة قام الجميع بكتابة إيميلاتهم فيها.
كنت متحوجاً جداً من وضع بريدي الإلكتروني. ذلك أني لا أقوم بإضافة البنات أبداً لشعوري بأنه باب
يستطيع الشيطان الدخول على منه. و بصراحة، فأنا لن أرضى أن تضيف زوجتي أحداً كصديق في
إيميلها. و ما لا أرضاه لها لن أرضاه لنفسي كأقل تقدير. اعتذرت منها و بينت لها الأسباب التي تفهمتها.

بولينا و توني كانا الأقربين لي. حيث كنا نحن الأربعة، مع دينيس، نخرج سوية. كان الأسبوع الثالث هو
الأسبوع الأخير. أعتذر لكم أيها الأطباء، و لكن التدريس مهنة أصعب بكثير من مهنكم ! يتجوب على
المدرس أن يمتلك قلباً قوياً شجاعاً أشجع من قلوبكم قبل إجراء عمليات التدريس. في نهاية كل سنة، و
في حالتي هذه كل أسبوع، يقوم المدرسون بتوديع طلاب قضوا معهم أياماً لا تنسى و مواقف لن تمحى
من ذاكرة الأيام. أخذوا معهم جزء من عمرهم، و كثيراً جداً من حبهم. الوداع صعب، ينتابني ألم ليس
بهين مع كل كف لوّاحة بالوداع. مع كل حقيبة تملؤ بالذكريات قبل الملابس للرحيل. مع كل صوت يؤذن
بالرحيل يعتصر قلبي ألماً و وجعاً. أعلم أن مدة الثلاثة أسابيع في رصيد العمر لا تذكر. و لكن رابطة
الصداقة التي ربطتني بالثلاثة كانت رابطة مختلفة. في دولة لا أعرف فيها سواهم تمسكت بهم أشد
التمسك. و إذا بهم صوب مرفئ الرحيل يسيرون.

في بداية كل شهر توضع قائمة الأنشطة الخارجية في المعهد. تعجبني كثيراً و أقوم دوماً بقراءتها و
تحديد الأيام التي أرغب الاشتراك في أنشطتها. كان يوم الثلاثاء هو يوم الـ PaintBall. و من لا يعرف
هذه اللعبة فهي تقوم على حيازتك على سلاح مذخر بطلقات من الألوان. تلبس لباساً يواري كل جسمك
و يحمي ملابسك من أن تلطخ بالألوان. الطلقات جداً مؤلمة بالرغم من اللباس الذي يوفر لنا ! بدأت اللعبة
و انقسمنا إلى مجموعتين. مجموعة تدافع عن الكنز و مجموعة تهاجم. في غابة صغيرة كانت إحداثيات
اللعبة. أي شخص يصاب بطلقة يخرج خارج اللعبة. كنت أعتقد أني من المهاجمين على الكنز فبدأت
أهاجم لإحساسي بأن الجميع متخوف من الطلقات بما أنها اللعبة الأولى. أشار على المدرب بالعودة إلى
موقعي الدفاعي لأنهم يمنع تجاوز الخط المخصص للمدافعين ! كنت مختبئاً خلف حاجز يمنع المهاجمين
من إصابتي. و فور إشارة المدرب وقفت لأعود لمركزي. حينها أصابني أحدهم في رقبتي. نلبس أقنعة
تحمي أعيننا و آذاننا، و لباساً كلباس العاملين في مزارع النحل يغطي أجسادنا. الجزء الواحد الطاهر
هو مكان الرقبة، و فيه أصبت ! كانت في عمودي الفقري مباشرة. لم أشعر بألم وقتها و لكني رفعت
يدي لأستأذن بالخروج. بعد خروجي بخمس دقائق بدأ الألم يشتد. و حينما خرج صديقي ألقى نظرة على
رقبتي ثم شهق ! علمت أن " الوضع مش كويس ". في التحدي التالي اختبأت خلف أقرب " كفر ".
و قبل انتهاء اللعبة ركضت إلى المنتصف أطلق يميناً و يساراً [ حرام تروح الطلقات من غير ما أطلقها ! ]

كانت تجربة جديدة و جميلة. أصيب صديقي في ظهره باثنا عشرة طلقة بقى أثرها مدة يومان. أما إصابتي
فما زال أثرها واضح حتى بعد أربعة أسابيع.

تعرفت على مجموعة من الطلاب السعوديين الذين ازدادت علاقتي معهم مع مرور الأيام. و في يوم
الجمعة لم أذهب للمدرسة حيث كان اليوم الأخير لتوني و بولينا في كندا. قمنا ذلك اليوم بزيارة الحديقة
القريبة من منزلنا. ثم عادوا إلى منزلي لمشاهدة أحد الأفلام. و أخيراً، ذهبنا إلى " كوفي شوب " قريب.
ثم توادعنا. كان يوماً هادئاً جميلاً. و كان عهدي الأخير بهم.

في فانكوفر. يجيء أناس و يذهب آخرون. و يبقى البعض منا يستقبل هذا و يودع ذاك. نتعلم من ثقافتنا
المختلفة أكثر مما نتعلم من اللغة الإنجليزية، الهدف الرئيسي الذي جا من أجله غالبيتنا.

في تلك الثلاثة الأسابيع الأولى أدركت في قاعدة قد تكون شبه عامة أن البرازيلين هم أطيب الناس من
ناحية الذكور. و أن المكسيكيات هن أسهلهن معاملة و أيسرهن تعامل. يعتقد الكثير من أبناء الدول
الأخرى أن الشعب السعودي يرقد على حقول النفط. و يعتقد آخرون أن كلمة SAUDI لا بد من أن لها
مرادف يعني الثراء الفاحش ! نعم، كل واحد منا يمتلك سيارته الخاصة. و كلنا نسكن في بيوت نمتلكها.
و لكنه شيء طبيعي جداً. فلا يذهب للدراسة في الخارج إلا من يمتلك القدرة المالية التي تعينه على تكاليف
مثلها سفرات. إلا الطلبة المبتعثين وزارياً فهم في شأن مختلف.

كنت أخشى من أفكار تلبسها فكري أمناً طويلاً وجدت أن ليس لها أصلاً من الصحة في الواقع. أخوض
الحديث فيها معكم في لقائي القادم.



صور مختارة (اضغط على الصورة لتكبيرها)


في طريقي للحديقة مع أصدقائي


الحديقة


منظر من الحديقة على الخارج


توني

2009/08/11

في فانكوفر .. ٧

منذ الأسبوع الأول حتى الأسبوع الثالث و أنا في حالة " فلوزة ". أسقط من الإرهاق تارة و أستيقظ
من " الزكمة " تارة. تذكرت، كثيراً، حينها كيف كنت أتعامل مع المرض في بيتنا. لم أكن أحمل
هم شيء أبداً. شاي بالليمون يدخل و شوربة تخرج. أمي تتطمن على صحتي و كل شيء متيسر.
ذهبت إلى London Drugs لأشتري منهم Panadol و لكن البائع أخبرني بأنه لا يتوفر لديهم،
و لكن في كندا يوجد بديلاًٍ عنه دواء نسيت اسمه. أخذته و كان مثل " قلّته " !


في بداية الأسبوع الثاني دلفت إلى الفصل مبتسماً [ Hey, Good morning ! ] ابتسمت
تشاو تشي، الطالبة التايوانية، و ردت التحية. التفت إلى الزاوية اليسرى من الفصل لأرى طالباً
جديداً، كل يوم إثنين نستقبل طلاب جدد و كل جمعة نودع طلاباً أخر، تبدو ملامحه عربية و لكني
لست متأكداً. على كل حال، سأحاول تجنبه قدر الإمكان حتى لا أضطر للحديث بالعربية معه.
بدأ الفصل و بدا واثقاً من نفسه ثقة تضفي على شخصيته جمالاً ! أحبه الفصل و ارتحت له
كثيراً.
مع الأيام أصبح أقرب صديق لي في كندا. كانت صفات كثيرة نشترك فيها، منها حبنا لتجربة
كل جديد !

توني، دينيس، و بولينا كانو أقرب ثلاثة أصدقاء لي. يوم الثلاثاء خرجت مع صديقي السعودي
لتناول وجبة الغداء في المطعم اليوناني. يقول صديقي بأنهم يقدمون لحمة ضأن " تاكل أصابعك
وراها "
. أجبته بكل جدية [ أجل منيب ماكل ].
بعد وجبة الغداء، التي كانت أفضل من مدحه بمراحل، عدنا إلى المعهد. كلانا انتهى يومه الدراسي
و لكنا عدنا ليلتقي ببعض أصدقائه. لمحت أصدقائي المكسيكيين من بعيد، كانت علاقتي فيهم
لحظتها سطحية إلى أبعد الحدود. اقتربت منهم حتى وقفت خلفهم. دفعت توني إلى الأمام و
صرخت: [ !! Give me your money ]. التفتوا إلى مفزوعين. زالت الرهبة عن وجيههم
لحظة تأكدهم من أن الشخص المخيف ليس إلا الشاب اللطيف [ أنا ]. سألتهم عن وجهتهم ؟
قالوا أنهم للتو أكملوا أكلهم Botien من المقهى الفلاني. البوتين هي أكلة كندية يشتهر ذلك
المقهى بصنعها. كنت أعتقد أنها حلى لذلك ذهبت لأحلي و لكني تفاجأت أنها وجبة غداء دسمة
ذهبت مباشرة إلى بطن توني الذي لم يشبع من " بوتينه ” !

[ We're going to the Gas Town ]. سألتهم إن كان بإمكاني مرافقتهم فوافقوا. ذهبنا
لنشاهد الساعة البخاربة و هي ساعة قديمة جداً تعود إلى السنة الـ " مدري كم ” ! ثم ذهبنا
لنشتري قطع تذكارية. لم أكن أنوي شراء أي قطعة لولا ذهابي معهم.

كانت تلك " الخرجة ” هي الباب الذي من خلالهم بدأت علاقتي بهم تزداد. عدنا بعدها إلى المعهد
لأني كنت مشتركاً في رحلة معه جولة بالدراجات في Stanley Park و التي كانت، مصادفة،
دينيس مشتركة فيه أيضاً. خرجنا في تلك الرحلة و التي كانت ممتعة حقاً. تعرفت فيها على شاب
لطيف من البرازيل يبلغ من العمر ١٥ سنة فقط. يقول أنه يتمنى لو كان يبلغ ١٩ سنة ليتمكن من
دخول البار ـ هع ـ. دينيس ترجع من أصل عائلة مكسيكية كاثولوكية. تكاد تتنبأ بمدى تمسكها
بدينها من مجرد النظر إلى لبسها المحتشم. تتفق معي بشكل كبير في معتقداتي و مبادئي. دار
بيني و بينها حوار حول الديانة الكاثولوكية و قربها من دين الإسلام. و أن الإسلام ما هو إلا امتداد
للنصرانية التي تتفرع الكاثولوكية منها. من الصعب جداً أن تقنع شخصاً بصحة دينك من مجرد
حوار، و لكني أكاد أجزم أن حوارنا تلك الليلة لم يكن " بلّوشي ". سألتني يوماً عن مدى تمسكي
بديني. أجبتها بأني مقصر و لكني قدر الإمكان متمسك. أخبرتها بأني لا أؤمن بالعلاقات الغرامية
دون قبل الزواج. أخبرتها أن ديننا ينهانا عن شرب الخمر و عن الكذب و عن و عن... و أني
و لله الحمد متمسك بكل ما ذكرت. بدأت تخبرني عن دينها و عن مدى تمسكها به و أنها تواضب
على حضور الكنيسة كل أحد و أنها تحب الله و عيسى. و أنها تؤمن بأن مريم عذراء، أجلها
الله عن كل ما ذكر من سوء. دار بيني و بينها حوار عن كيف استطاعوا أن يؤمنوا بأن عيسى
هو ابن الله ـ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ـ ! و إذا ما هو كذلك، فكيف يدع الله تعالى عبدته
يقتلون ابنه ! هذا إن كان قتل أصلاً.

انقضى ذلك اليوم بحلوه و حلوه. عدت إلى المنزل طريح الفراش من بقايا " الزكمة ". في نهاية
الأسبوع اتفق طالب فرنسي في فصلي مع مجموعة من الطلبة، كنت ضمنهم، أن نخرج سوية.
وافق الجميع حيث ذهبنا إلى Stanley park لندخل إلى المعرض المائي الذي قمت بزيارته قبل
ذلك. بولينا، توني، رافييل، و طالبة برازيلية أخرى أيضاً زاروه مسبقاً. اتفقنا على أن نتجول في
الحديقة ريثما ينتهوا من " خرابيطهم ". مشينا في مسارات مترفعة لا تنتهي. في منتصف الطريق
توقفنا في مدرجات ملعب. جلسوا جميعاً و ذهبت أنا لأقف في منتصف الملعب ملوحاً بيدي للجماهير.
ثم أخذت أهرول و أنا أرسل " بوساتي " للجمهور. نزلوا إلى الملعب ضاحكين و قاموا بحركات
غبية. “ ما أقول إلا العقل نعمة ! “.

في اليوم الأخير في الفصل، اليوم الأخير لدينيس، أخبرتنا المدرسة بأن درسنا اليوم استثنائي.
سنقوم نحن باختيار الموضوع الذي سنتكلم عنه. صرخ طالب في الجهة المقابلة لي من الفصل
[ let's talk about sports ]. تذمر البنات من اختياره و طالبوا بالحديث عن الحب ! كان
اختياري للصداقة. من بين مواضيع كثيرة فاز بالترشيح موضوع الحديث عن المناطق السياحية
في كندا.
عقبها، تم ترقيم طلبة الفصل و بطريقة عشوائية وقع اختيار دينيس لتكون معي. كانت طريقة
الدرس أن نخرج و نتجول في شوارع المدينة سائلين المارة عن الأماكن السياحية في فانكوفر.
و الهدف هو أن نتجرأ بالتحدث باللغة الإنجليزية. كانت الفكرة جميلة و لكن التطبيق يشوبه كثير
من الحساسية. انتهى الدرس على ما يرام.
بعد سفر دينيس سألني أكثر من طالب عما إذا كانت دينيس " القيرل فريند بتاعي ؟ ". أيقنت
حينها أن الوضع لا يختلف كثيراً عما هو عليه في السعودية !


صور مختارة



المقاضي اللي شريتها من لندن درقز و تظهر علبة الدواء


طبقي من المطعم اليوناني


البوتين ما أكلته و للحين ما جرلته و لا مشتهيه مكون من البطاطس و الجبن و مدري وش هالكريمه


الساعة البخارية


الدراجات في ستانلي بارك التابعة لطلبة المعهد


منظر من حديقة ستانلي بارك يطل عالبحر. يظهر في الصورة الطالب البرازيلي اللي عمره ١٥ سنة


في ستانلي بارك


منظر من حديقة ستانلي بارك

2009/08/09

في فانكوفر .. ٦

في ليلة الوداع. ليلة الانتقال من مسكني الأول. جلست أنا و أحمد على الدكة الخارجية للمنزل.
سماء سوداء صافية تلمع فيها بعض نجوم. و صوت حفيف الشجر مع نسمة هواء شبه باردة.
لا صرصرة و لا " وطوطه ". هدوء معه قد أسمع صوت نفسي. أقرب كوب الشاهي مني لأرتشف
منه رشفات خجولة تداعب فيه شفتي أعناق الحبق. أحمد بابتسامته المعتادة ينظر إلي و كوب
الشاهي " بتاعه " أبعد قليلاً من " سواليف " لا بد أن تطرح. ينفث الدخان الذي اكتنزه لثوان
في الهواء. أميل بجسدي قليلاً بابتسامة تعجب فيضحك. [ والله ما راح يجي الدخان بوجهك ! ]


أذكر حينما وصلت إلى مسكني الأول أديت صلاتي الظهر و العصر عكس القبلة. ساعدني أحمد
في استقبالها. عدت بعد يومين و بغباء مفرط في النكوس عن القبلة. لا أدرى أي " بلاهة "
فكرية كنت أعيش ! و لكن الله يفعل ما يريد.
قبل كل صلاة كنت، و مع العلم من وجود تقويم في جهازي، أسأل أحمد و حسين: [ الحين دخل
وقت الصلاة ؟ يعني أصلي ؟ ]
فيجيبوني بالموافقة. كانت تلك رسائل غير مباشرة تدعوهم
لنؤدي الصلاة في جماعة. لم أكن لأصارحهم لشك انتابني بأنهم ينتمون لمذهب مختلف.

[ وش جالس تفكر فيه ؟ ] قاطع فكري الشارد أحمد. [ أهلي و أخوياي ] باستعجال يثير
الشك أجبته. خضت بعده نقاشاً ودياً معه حول أضرار التدخين و أن كل " سقارة " تنقص
من عمره خمسة دقائق، فقط لتضييع السالفة.

بدأ يتحدث عن أيامه قبل البعثة. عن حياته المنقسمة ما بين القرية و المدينة. عن ماضيه مع الماشية
و كيف كان يقضي نهاره في المدرسة لا يسمن و لا يغني من جوع. حتى إذا ما قفل عائداً
إلى المزرعة وجد نفسه فيها و استكان و استراح. بدأ يصف لي رائحة الشعير و صوت الخراف
و غروب الشمس خلف الجبال. صفاوة الماء التي لا تعدلها صفواة. لبن " الخلفات " حين يملأ
به وعاءه مع حبات التمر الذي لا يحسن التفريق بين أنواعه! قصص مع الجن عاشها و قصص
سمع بها. يحلف بكل قوة أني لو كنت معه لأحببت الوضع. اكتفيت بابتسامة.

دفة الحديث لم تكن لتتوجه إلى أبداً، و ما رغبت بها. ابتسامة، همهمة، حركة رأس، و تعجب كانت
كفيلة لشحذ مخزون كلامه ليستزيد و أستزيد.
يضحك كثيراً، و بفخر، حينما يتكلم عن قبيلته و عن شيوخها. يحاول تقليد أصوات المنادي و
ينشدني بعض أشعار التسامح التي تنشد عند طلب العفو. يتذكر حين كاد له نيف من قبيلة
مجاورة و استفردوا به في مكان نائ. فلم يسعفه بعد حفظ الله و رعايته إلا معرفته الوثيقة بأحدهم
فوقف عنه مدافعاً و حصيناً.

بعض ممن يعرفني يثني على بحسن إنصاتي و تجاوبي مع المتكلم. و أكثر منهم يتضجر من كثرة
مقاطعتي ! و لكني أعلم يقيناً أن إرضاء الناس غاية لا تدرك فلا أجادل. ولكن، في تلك الليلة،
لم يقاطع، حتى الهواء، حديثه. كانت رحلة مشوقة و تقليب في صفحات ماضي شخص غريب.
و من دون أن أسألك، و في سياق حديثه عن " المضاربات "، مال إلى الحديث عن مذهبه بتشوش
متعب. لم أستطع خلال كلامه أن أستشف ماهيته. بذكاء مفرط استطاع أن يدلو بدلوه دون
أن أتمكن من استسقاء المعلومة التي أريد. بحماسة واضحة سألته [ يعني شيعي ؟ ]. بتحفظ
شديد بدأ في سرد إجابة مطولة. أتعجب كثيراً من مقدرته على الحديث طويلاً لمدة دقائق عائماً
في منطقة رمادية بين السنة و الشيعة. سكت، فهاجمت [ يعني سني ؟ ] عاد فأكمل بإجابة أطول.
عد أخذ و رد اتضح لي أنه شيعي. لم يكن عجبي أكثر منه حينما اعترف بأنه لا يختلف عن مذهب
أهل السنة في شيء ! [ طيب ليش ما تقول عن نفسك سني ؟ ] سألته بابتسامة تعجب و قد تحركت
بجسدي قليلاً إليه. ابتسم ليقول [ يعني تفرق بالتسمية ؟ ]. تحدثنا عن معنى التسمية و لماذا
يفضل أن ينسب نفسه لمذهب أهل السنة و الجماعة طالما أنه يؤمن بأحقية محمد بالرسالة و أن
الله واحد أحد، فرد صمد، لم يلد و لم يولد. سألته حينها [ طيب ليه ما صلينا جماعة ؟ ].
حقيقة، لا أذكر الإجابة.


توجهت في اليوم التالي إلى مسكني الجديد. قبل انطلاقي، قامت " المدام " بتحضير وجبة الإفطار
لنا “ hot dogs ”. كنت أتضور جوعاً، و لكن أمي تقول [ لا تاكل خنزيز ! ]. لا أدري " وش جاب طاري"
الخنزير و لكن من الباب الحيطة لم آكل. اعتذرت منها مبدياً عدم رغبتي خصوصاً بأني لا آكل
بعد النوم مباشرة. فور ذهابها أخذت تفاحة و خرجت. كان الـ TAXI في انتظاري خارجاً.
ودعت العائلة و ذهبت.

كان منزلي الجديد يبعد 45$ عن القديم. أستغرب من هذا المعهد الذي لا يتكلف بمصاريف أخطائه !
وصلت، فتحت باب الحديقة و طرقت الباب. أطل من النافذة العلوية رجل. أخبرته بأني طالب جديد.
أمرني بالتنحي عن الباب و العودة إلى الخلف ! ثم سألني عما إذا كنت أحمل معي ورقة تعريف
أو دليلاً على كلامي. كان تعامله مزعجاً جداً و لكني آثرت التغاضي. بعد تأكده طلب مني الخروج
من الحديقة و الإنتظار خارج المنزل. بشنطتي المحملة بـ " كل شيء " أجرها خلفي خارج
المنزل لأقف منتظراً شيئاً أجهله. توقفت بجانبي سيارة و إذا به نفس الرجل. طلب مني وضع
الشنطة داخل السيارة و الركوب معه. أخبرني بأنهم يمتلكون منزلين و أن سأسكن مع أخته
في الثاني. [ أي بيت منتب فيه كويس !] قلت في نفسي.

وصلنا و لم يكن في استقبالنا أحد. أيقنت حينها أن استقبال الضيوف عند آل فانكوفر ليس من
سلوم الرجاجيل و إلا لما تكرر معي الموقف. فتح الباب ليرني المنزل. فتح باباً آخر و هو يقول:
[ This is your room ] ليتفاجأ بأكوام الملابس ملقاة على سرير لم يرتّب بعد.
[ I'm so sorry. It is supposed to be cleaned ] ثم بدأ بالتحدث مع أخته بلغتهم.
ابتسم ابتسامة المخرج و طلب مني إبقاء حقيبتي في المنزل و الذهاب معه لنستقل الحافلة ليريني
كيفية الوصول إلى المدرسة. كان " مشواراً " مملاً جداً. عدنا بعده إلى غرفة تسمى نظيفة. الحمد
لله على كل حال.


بالرغم من التأكيد على المعهد بخصوص السكن مع طالب سعودي، كان جاري في الغرفة سعودي.
و أعادت الأيام نفسها ليمد لي يده بالتسليم فأرد بـ " Hello ”.
بعد أن عادت العائلة أوقظني من نومي لأتناول معهم وجبة العشاء التي تكون غالباً في الساعة
السادسة عصراً ! هي عائلة فلبينية، الرز الأبيض هو الطبق الرئيسي. غالبية أكلهم بدون ملح.
كنا نتحدث عن سبب مجيئي إلى كندا و الخلل الذي واجهني في السكن و أمور مختلفة. أكثر
كلمة ترددت في تلك الأثناء [ Eat Eat Eat Eat ]. تذكرت جدي، لا يقتنع أبداً بأي مقدار تأكل.
قناعته كلها تكمن في المدة التي تجلس فيها على " السفرة ". سألتني حينها Lawrina:

Are you afraid from catsأجبت بالنفي في حين أني لا أحبذ أن تلامسني أبداً.
أخبرتني أني سأجد وقتاً ممتعاً مع قطتها " كيتي ” التي ترقد على الكنبة المجاورة. التفت لأجد
حمار و ليس قطة ! من خلال حديثهم اكتشفت أنهم يمتلكون أربعة أنواع من الحيوانات، التي
أعرفها. قطة، أرنب، هامستر، و كلبان. عند نزولي إلى غرفتي قابلت الأرنب و يا ليتني لم أقابله !



صور مختارة



الجلسة اللي جلست مع أحمد بتالي الليل فيها.


غرفتي الجديدة نص متر في نص. =)


الحمار كيتي الله لا يرد كيتي.


أرنبهم، مدري والله وش يأكلونه غير الجزر. عجزت أصير زيه !

2009/08/05

في فانكوفر .. ٥


كانت رحلتي الأولى إلى Stanley Park هي في يومي الدراسي الأول، في جولة الباص حول المدينة.
في محطتنا الثانية توقفنا في " البارك " و بدأ المرشد السياحي " السواق " بالتحدث عن الحديقة.
أخبرنا عن سبب تسمية " Deadman's Island “ بهذا الاسم. و يرجع ذلك إلى وقت الاستعمار، حيث
قام الكنديين بإجراء اتفاقية مع السكان الأصليين تنص على أنهم لن يقتلوا الأطفال و الناس شريطة ذهاب
الرجال منهم إلى تلك الجزيرة و قتل أنفسهم ! وافق السكان الأصليون على ذلك، و سميت بذلك الجزيرة.

في منطقة أخرى من الحديقة نزلنا. أخذنا السائق في جولة على الحديقة " الغابة ! “، قمنا خلالها بعبور
عدة جسور خشبية " زي اللي بالأفلام =) “ كان عبورها يسري في جسدي شعوراً لذيذاً من " الحماسة ".


كانت حصتي الأولى صبيحة يوم الثلاثاء. بعد أن قمت بشراء بطاقة الـ " Bus Pass “ و التي من خلالها
أتمكن من ركوب الـ Bus أو الـ Sky Train من دون شراء تذكرة. بهدوء تام دخلت الفصل. نويت إلقاء
السلام، كعادتي في الجامعة !، و لكن [ شدراهم بالسلام ؟! ]. [ أقول Hello ]، و لكنها أتت متأخرة. حجرة
صغيرة، كراسي مبعثرة على ثلاث طاولات منفصلة. جلست في الطاولة التي لا يجلس عندها أحد. لم يحضر
المدرس بعد، أو المدرسة !. طالب قصير يدندن مع أغنية يسمعها من " آيبودّه "، و أخرى تتحدث مع جارتها
بصوت خافت خجول، و ضحكات تملؤها المجاملة. هل هكذا هي مجتمعات البنات في فصولهن لدينا ؟
أم أنهن هكذا إذا تواجد الشباب فقط ؟

[ Good morning ! ] دخلت المدرسة بابتسامة عريضة. [ How are you ? ] تسألنا و ما زالت
ابتسامتها العريضة مرتسمة على محياها. بوجه طفولي و جسم قصير و أسنان كمقدمة أسنان سنجاب
تتكلم، و بنطق مميز لحرف السين ـ أقصد s !! ـ . [ Fine ] إجابة لم تكد تخرج من أفواه طلبة جدد. سكوت
أعقبه عبوس من مدرسة إعتادت التمثيل [ Aren't you going to ask me how am I ? ]. لم يجب
أحد. [ I'm Fine. Thank you for asking ] “ محد جاب خبرك ! “ قلتها في نفسي. بدأ التعريف
بالطلبة اسماً و عمراً و من أي بلد أتى. طالبان من البلجيك، و ثلاثة طلبة من المكسيك، و ثلاثة طلبة
من البرازيل، و طالبة من تايوان، و طالب سعودي ( أنا ). المدرسة Lisa كندية من أصل كندي، غير أن
جدها الأكبر يعود إلى ألمانيا. يبدو أن الكنديين أنقرضوا !

كانت الحصة الأولى و الثانية، و بقية الحصص، مع تلك المدرسة حركية بشكل جميل. كان جل تركيزها على
القواعد. لم أستطيع تكوين صداقة بسهولة. ربما لأني كنت شديد الحرص على نقل صورة مشرفة عن أبناء
بلدي لدرجة الخوف من الإختلاط بالبنات. أو أن فكرة اختلاف الثقافات كانت حاجزاً يمنعني من التقدم خطوة
تكون في نظر ثقافتهم خاطئة !. كان في نظري البقاء في مكاني بدون أصدقاء خير من التقدم خطوة ترجعني
إلى الخلف.

أعود من المدرسة إلى المنزل، أصلي الظهر و العصر ثم أتناول وجبة العشاء. طبق جديد كل يوم، و طبخ
أفضل مما كنت أظن. زوجة Alvis لم أرها حتى الآن. في إجازة نهاية الأسبوع، صحوت على " قربعة "
في المطبخ. لم أخرج من غرفتي حتى هدأ الوضع و تأكدت من خلو المطبخ من الأشخاص. خرجت لأجد
“ المدام " في وجهي. بملابس النوم و خطوط الوسادة " لاعبة في خشتي " كان اللقاء الأول. كنت شديد
التحرج !. بخطوة مترددة إلى الخلف، لم تكن مقصودة، وضعت قدمي. اختلاط الثقافات و جذور الدين التي
زرعتها أمي و المدرسة و المجتمع لا بد أن تثمر في القلب حياء و خشية. عقلي المبرمج على الصدود عن
طيف كل أنثى لم يكن مبرمجاً قط على رد تحية أنثى في أحد " الصباحات ". [ Hey ! ] قالتها بابتسامة
أيضاً. بخجل واضح قلت : [ Hey ]. لم تكن الحادثة الأولى و لكنها كانت الأصعب. [ How are you ? ]
بدأت تسألني و كأني " فاضي ". [ I'm fine, thanks for asking. And you ? ].
[ I'm fine thank you. You seem like you know how to speak English, so why did you com to learn ? ]
[ أيوااااااا .. طرده من أولها ! ] [ Well, improving my English Is one thing of many things
that I came for ]. تقاش طويل لا أذكر آخره، و لكني أذكر تماماً تعجبي من ثقتها بالحديث معي و هي
أنثى و أنا الرجل خجول !. ذهبت لأخذ " دوش " مستعملاً " شامبو " حسين. سألته عن كيفية استخدام
مغسلة الملابس، و من أين يمكني شراء " فيش كهرب "، و عن أقرب " Coffee Shop “.

أحمد، خجول بشكل لا يتوافق مع شخصيته. بعد تعرفي عليه في اليوم الثالث اكتشفت أني أعرف في كندا
أكثر مما يعرف !. فهو لا يخرج كثيراً و لا يحب الإختلاط بأحد. كان، كما قال، يعيش في نجران في قريتهم
لا يذهب إلى المدرسة بانتظام. متعته ترتكز على إبريق شاي يشربه أمام " الحلال "، ماشيته. أسلوبه و طريقة
تعامله تنبيك بما يكتنفه شخصه من نخوة و رجولة.

نهاية الأسبوع يوم السبت، لأن الأسبوع هنا يبدأ الإثنين و ينتهي الأحد، أيقظته الساعة الحادية عشر.
و أمرته بالاستعداد لأننا سنخرج بعد ساعة. إلى أين ؟ " مش مهم ". بعد ساعة توجهنا إلى الـ
“ Metro Palace “ أكبر سوق في المدينة. لم نشتري أي شيء، تجولنا فقط. ثم توجهنا إلى " China Town “
الذي حاول تحذيري منها بسبب كثرة السرقة فيها و عمليات النصب. كنت أعلم أن غالبية القصص التى
تروى غير حقيقية و لو كانت حقيقية فهي لعجائز، أو حوادث وقعت في " تالي الليل ". وصلنا إلى القرية
الصينية. مررنا بجانب المحلات سائلين عن مطعم صيني جيد. كل المطاعم من شكلها الخارجي توحي
بمستوى لا يليق بمسمى مطعم. كنت أتضور جوعاً، و لا أعلم عن أحمد، و لكني لم أكن أحب الأكل الصيني.
كنت أريد فقط تجربة الـ " Sushi “. أعلم أنه لن يعجبني، و لكني سأجرب. ذهبنا إلى مطعم أوصتنا به
إحدي الصينيات. قدموا لنا شراباً في البداية. توقعته خمراً، و لكنه كان ساخناً !. أخبرتنا النادلة بأنه شاي.
كان مراً، و لا يوجد بجانبنا سكر. من عادة الصينيون أنهم يشربون الشاي المر مع أكلهم. طلبنا " ببسي
و ميرندا " و اعتذرت النادلة لأنهم لا يقدمون Sushi. طلبنا طلبات مختلفة كانت أكثر من اللازم. كان المذاق
رائعاً، لدرجة أنّا أكلنا حتى امتلأت بطوننا و بتنا نضحك على أتفه النكت !.

عدنا إلى Metro Town لنشاهد فيلم The Hang Out، الذي شاهده أحمد من قبل. كان فيلماً جميلاً.
عدنا بعده إلى المنزل.

كانت تلك الرحلة القصيرة نقطة تحول لدى أحمد. اتفقنا على الخروج نهاية كل أسبوع لولا أني انتقلت للسكن
مع عائلة جديدة بعد تحدثي مع مسؤولة السكن عن مشكلة سكني مع طلبة سعوديين. حيث اتضح لديها
أني أسكن مع العائلة الخطأ.

بعد أسبوع من السكن مع أحمد و حسين و Alvis و " مرته " انتقلت للسكن مع عائلتي الحالية.



صور مختارة


مدخل المدينة على Stanley Park


صورة من Stanley Park


إحدى الجسور الخشبية في Stanley Park


بوابة الدخول على Chin Town


طلبنا ( رز ـ شوربة كريمة دجاج ـ دجاج كاري ـ نودلز " في الصورة الأخيرة " )


أول ما جا الأكل قمنا نتفلسف بالأعواد الصينية


يوم ذبحنا الجوع قلبناها بالشوكة و طلبنا ملاعق ! الطبق اللي عليه الشوكات هو النودلز

2009/08/03

في فانكوفر .. ٤

صباح يوم الإثنين، استيقظت الساعة السادسة. توجهت إلى دورة المياه حيث وجدت ورقة توصي بتنظيف
دورة المياه بعد الإنتهاء منها. أصبحت التوصيات المماثلة أمراً مألوفاً أجده في كل مكان. فوق الغسالة
و عند باب الغرفة و حتى بجانب التلفاز. توصيات تفيد بالمحافظ على الطاقة و النظافة قدر الإمكان.
أكملت ما استلزمني من دورة المياه التي لا يقفل بابها ! يبدو أن جميع أبواب المنزل لا تقفل. أو قد تكون
في دورنا السفلي فقط.

عدت إلى غرفتي و بدأت في ترتيب ملابسي في أدراج " الدولاب ". بعد الإنتهاء اخترت لبسي الذي سأواجه
به الطلبة لأول مرة. لبست و صليت الفجر ثم بدأت في تقليب صفحات الإنترنت.

أخبرني حسين أنني سأكون في المعهد ف الوقت المحدد، الساعة الثامنة. الآن الساعة السابعة و لم يصح.
هل أقوم بإيقاظه ؟ " أبصير نشبه ! “ كما كنت أظن. هل أتركه في نومه و أتأخر عن يومي الأول ؟!
حسناً، سيقبل المسؤول بالمعهد عذري فبالطبع يواجه مثل هذه الحالات مع كل مجموعة جديدة !

الساعة السابعة و النصف كان يقف حسين على باب غرفتي [ صباح الخير يا كبتن .. مشينا ؟ ] ..
يلبس قبعة سوداء و " جاكيت " أسوداً و جنزاً آزرق و " بوت " أسوداً. بالأمس كان الجو صحواً. كانت
السماء صافية و الجو عليل و لا مكان للبرد. بعد هطول الأمطار ليلة البارحة أصبح الجو بارداً. تملأ
السماء حبيبات ماء تنعش الروح. أحضرت معي كل شيء، إلا الملابس الشتوية ! [ أخذت معك جاكيت ؟ ]
سألتني أمي و نحن في طريقنا إلى المطار.

كنت أمشي مع حسين. نخرج من حديقة المنزل إلى الشارع المواجه. ملعب كبير يقف أمامنا، يقول حسين
أنه العلامة الفارقة التي من خلالها سأتمكن من تحديد طريق العودة حينما لا يكون معي.
يمشي بخطوات واثقة على طريق سار عليه شهوراً. و أنا بعقل سارح و فكر شارد و عين تجوب المكان
و تتفحص الطرق أحاول جاهداً حفظ كل شيء حتى لا أضيع. يقولون ( أفضل طريق لمعرفة البلدة هو
أن تضيع فيها )
و لكني لا أريد أن أضيع اليوم !


[ معاك دولارين و خمسين سنت ؟ ] يسألني حسين عن أجرة الباص الذي سينقلنا. أخرجت من جيبي
“ قروشاً " و قربتها منه و سألته ببراءة: [ تكفي ؟ ]. آخرج منها ما كان " على أد المئام " و أضاف إليها
بعضاً من قروشه حتى اكتملت. في ذيل الباص جلسنا. قال لي أحمد يوماً أنه من الأفضل دائماً أن تجلس
في مؤخرة الباص لأن العجزة يجلسون في المقدمة و ستقوم لهم احتراماً مما يعني ذهاب مقعدك !

[ خذ الباص رقم ١٠٦ اركب الـ Sky Train من محطة New Westminster إلى محطة Granville،
سر بعدها ٣ إشارات إلى... ]
معلومات كثيرة كان يجب علي حفظها، لم أتوقع حينها أني أستطيع.

عند بوابة المعهد وقفت مشدوهاً ! “ زي كل مرة ". لم أكن أتوقع المعهد بهذا الشكل. مبنى كأي مبني
سكني، استأجر المعهد فيه أحد أدواره. توسع فاستأجر الدور العلوي أيضاً.دوران و غرف عادية كأي
معهد في مملكتي الحبيبة. أين الصور الجميلة المعلقة على جدران وكالة الطيران ؟ أين هي الجامعات
و المعاهد التي وعدوني بها ؟ أو تخيلتها ؟!
كان الخيال، كعادته، أجمل بكثير من واقعي.

إلى الدور الثالث توجهت بالمصعد لأجد نفسي في معهد الموسيقى ! عدت إلى المصعد متجهاً إلى الدور
الرابع. أخرجت رأسي لأتأكد من وجودي في الدور الصحيح. عدد كبير من الشباب و " الشابات " يقفون،
على ظهورهم أشناطهم. بشنطة الكتف الصغيرة اخترقت الصفوف حتى وصلت إلى مكتب السيد Tom،
الكندي من أصل اسكوتلندي. [ Excuse me, I'm a new student ] بصوت منخفض تحدثت إليه.
[ Do you see the line behind you ? Those are new too ] أجابني و عينيه لم تفارق شاشة الكمبيوتر.
بقليل من الإحراج و كثير من " الفشلة " عدت إلى نهاية الصف. حشد من الطلبة تملأ الساحة. الساحة ؟
ليست سوى المساحة التي تلتقي عليها بقية الغرف. ستة أمتار في ثلاثة كما أعتقد. جمع من الطلبة و الطالبات.
جنسيات مختلفة، ألوان متباينة، لغات تندمج مع بعضها. نسيج جميل من مناطق مختلفة التقت تحت سقف
واحد.

ثلاثة بنات يتحدثون خلفي. مراهقتان تقفان أمامي تتحدث إحداهن إلى الأخرى عن المعهد و مزاياه.
يبدو أنها إحدى الطالبات اللاتي سبقن دفعتي. كانت لغتها مكسرة. طريقة نطقها للكلام غريبة، يرجع ذلك
لكونها تعود من دولة آسيوية، شرقية.

كانت علامات الاستفهام ترتسم على محيى الجميع. [ Pay 25$ for the Bus tore ] قالتها الآنسة
“ نسيت اسمها "، الكندية من أصل هندي. دفعت كبقية الطلبة. ذهبت بعدها إلى Rocky Room.

Rocky Room هي إحدى غرف التدريس. و هي الغرفة الأكبر التي يجتمع فيها المستجدين لإجراء
المقابلات المبدئية معهم و اختيار الحصص الإضافية.

طاولة بيضاء. برميلان، إن صح التعبير، يحتويان على قهوة ساخنة من ستار بوكس. صحن من الدونات.
سكر و حليب مركز. طلاب يتوزعون في القاعة. توجهت إلى الطاولة البيضاء، أخذت نصف كوب من القهوة
و قطعة دونات " سادة " صغيرة و جلست بالقرب من السبورة. بجانبي تجلس فتاة ملامحها طفولية.
التفت على بابتسامة لما أقابلها بالمثل. لا أعلم هل تبتسم لي أم على ! مجتمع مختلف يجب توقع الأسوأ
فيه دائماً، أو كما اعتقدت.

أرى حلقات من الطلبة استطاعوا خلال دقائق معدودة تكوين حبل التعارف. أنا " الشخص الإجتماعي " كنت
في أضعف لحظاتي. لا أدري لماذا !

في الزاوية الأخرى من الغرفة يجلس طالب تبدو عليه سمات سعودية. التقت أعيننا فابتسم. ابتسمت و
تنحيت بوجهي عنه. أخشى مخالطته فنبدأ الحديث باللغة العربية. لم أستطع الاحتكاك بأحد و لم يقم أحد
بالاحتكاك بي. نعم، هو شعور رائع حينما تجلس بين الناس من دون أن يتدخل أحد بك. و لكنه وقت
المعرفة. تعرفوا !


خرجنا في الرحلة التي دفعنا الخمسة و العشرين دولاراً فيها. جلس السعودي بجانبي و سلم. رددت عليه
السلام و سكت. بدأ سائق الباص بإلقاء المعلومات السياحية بأعلى صوته، فالمايكرفون " بتاعه " متعطل.
توقفنا عند محلات نحت الخشب. ثم توجهنا إلى سوق كبير تجد فيه كل شيء. غير أني بعد ذلك اليوم لم
أجده !

كانت رحلة جميلة. تعرفت فيها على السعودي الذي كان يتحدث إلي بالعربية حتى أخبرته بضرورة
الحديث باللغة الإنجليزية حتى يتطور مستوانا. كانت العملية بالنسبة له صعبة، و لكنها أنجع.

أخذنا الجداول بعد عدوتنا المتأخرة إلى المعهد.
لم نعد إلى المنزل. تعرفت في رحلتي تلك على مجموعة من الطلبة. شاب من هولندا، و آخر من السويد،
و فتاة من دولة نسيتها. اتفقوا جميعاً على الذهاب إلى البار. و قاموا بدعوتي للالتحاق بهم.

نكمل غداً ..


صور مختارة

منظر مطل من الجهة الخلفية للسوق اللي نلقى فيه كلّش !
إحدى الصور التي توضح طبيعة فانكوفر الخضراء

2009/08/02

في فانكوفر .. ٣


فور وصولي إلي مطار فانكوفر، توجهت إلى صالة الاستقبال، ألتفت يمنة و يسرة لأتمكن من
رؤية جميع معالم هذا المطار. لم يكن بجمال مطار سنغافورا، أو مطار هيثرو، لندن، و لكنه
بالطبع كان أجمل بكثير من مطاراتنا.

بعد سؤال عدة أشخاص تواجدوا كموجهين و استعلامات تمكنت من إيجاد المشرفة على طلبة المعهد.
سرنا معها نحن الأربعة، سعودي و برازيلي و مكسيكي و أمريكي، و السؤال الذي حيرني [ وش
جاب الأمريكي يدرس انقليزي !! ].
ركبنا " ميني باص " و توجه بنا إلى سكننا العائلي. قام بإيصال البرازيلي، الذي كان أكثرنا
جرأة و اندماجاً مع السائق. حيث دارت بينهم محادثات مختلفة عن هوية السائق، ثم الكلام عن
المنتخب البرازيلي، و أخيراً الحديث عن فانكوفر و مدة الإقامة فيها. كنت كمستمع أتلذلذ بالـ " آكسنت "
المميز الذي يتمتع به الناطق باللغة البرتغالية، حقيقة و قبل مجيئي إلى فانكوفر كنت قد بنيت في
مخيلتي عدة تصورات عن شعوب دول العالم. تصورات كان أساسها قواعد مما أرى على شاشة
التلفاز. فمثلاً، كنت أعتقد أن الشعب المكسيكي هو شعب يرتدي القبعة الكبيرة المستيرة و بيده قيتار
و يعيشون في صحراء تدور فيها أكوام من القش !. و بعد مجيئي، الغالبية العظمى من أصدقائي
من المكسيك ! أحببت المكسيك.

لم يبق سواي أنا و المكسيكي في " الميني ". أوصل المكسيكي قبلي، و حين خروجه إلتفت إلي
و قال : [ أديوس ]. كنت واضعاً " الهيد فونز " فلم أستطع تمييز ما يقول. خلعتها و قلت:
[ سوري ؟! ]. قال: [ أديوس ]. اكتفيت برسم علامة تعجب على محياي. كأنه أراد تدارك الموقف
و قال: [ where are you from ? ]. أجبت: [ From Saudi Arabia ]. ابتسم و اعتذر
ثم ذهب.

كلما قام السائق بإيصال أحد الطلبة كنت أنظر إلى كل عائلة كيف تستقبل طالبها، و أتساءل
بيني و بين نفسي: هل عائلتي الجديدة ستتكون من زوج و زوجة ؟ أم مجرد رجل فقط ؟ فقد
أخبرني المعهد مسبقاً بأن العاذلة في كندا لا تعني مطلقاً وجود زوج و زوجة و أبناء. فربما تكون
كذلك، و ربما زوج و زوجة فقط. أو رجل لوحده.
كم عدد الطلاب الذي سأسكن معهم ؟ و من أي البلدان يجيئون ؟ أسئلة كثيرة كان الشوق
يسبقني إليها.

كان منزلي هو النقطة الأبعد عن المعهد مقارنة ببقية الطلاب معي. وصلت إلى منزلي و اتجهت
إلى الباب الأمامي مع السائق. وجدنا ورقة كتب عليها [ نعتذر لعدم تواجدنا الآن في المنزل،
لقد قمنا بالخروج إلى البحر، الرجاء من الطالب الجديد التوجه إلى الباب الخلفي و سيقوم أحد
الطلبة بفتح الباب له. إذا واجهتم أي مشاكل قوموا بالتواصل معنا على الرقم المدرج ].

حقيقة، لم يكن استقبالاً حاراً كما تخيلته. لم يكن إستقبالاً من الأساس !
توجهنا إلى الباب الخلفي. طرقت الباب. و هنا حصلت المفاجأة ! كان في استقبالي طالب سعودي.
[ اكتملت ! ] قلتها في عقلي. قال: [ ارحب ! السلام عليكم ] و مد يده تجاهي. من غير إدراك مني
قلت: [ Hello ] و مددت ذراعي. أقسم أني لم أكن أعي ما أقول من شدة صدمت الموقف !
تخيلتني أعيش مع عائلة كندية، يسكن معي طلبة مختلفين من بقاع مختلفة من العالم، غير السعودية !.
و لكن حدث ما لم يكن بالحسبان.

اعتذرت له و قمت برد السلام. ودعني السائق الكندي، من أصل أسترالي، ثم ذهب. دخلت مع
محمد، الطالب السعودي، إلى المنزل حيث أخذني في جولة حول المنزل. أخبرني بأن تلك الغرفة
هي غرفتي. كان موقعها رائع. أمام المطبخ مباشرة و بجوار مخزن الأحذية، و هي أقرب غرفة للباب الخارجي.
كما أن غرفتي هي أكبر غرفة في المنزل، و لديها نافذة تطل على الحديقة، و الأخرى على بيت الجيران.
" يعني أنواع القزقزة ! << سعودي ".

بشورته الأحمر و فنيلته البيضاء " المسفطة " و خطوط النوم مرسومة على وجهه اعتذر مني محمد قائلاً:
[ المعذرة، بس أنا ما أسكن معك هنا ... ] هنا انفجرت أساريري طرباً [ ... بس ثنين من
عيال عمي هم اللي ساكنين معك، حسين و أحمد ] هنا ماتت تلك الأسارير.

حتى المساء لم ألتق بالعائلة. مع أني لم أقم بغلق بابي حتى أتمكن من مقابلتهم. فور دخولي
إلي غرفتي قمت بخلع ملابسي و أخذت " دشاً " سريعاً و صليت الظهر و العصر جمعاً و قصراً،
بعد أن قمت بسؤال محمد عن القبلة التي كانت بالنهاية خطاء !

في المساء خرجت إلى المطبخ لأجد ثلاثة أطباق من المكرونة و اللحم المفروم. بذكائي المتدفق،
استنتج أن الأطباق لي أنا و أحمد و حسين. لا أعلم من أين أتت و أين ذهب من أتى بها، ولكنها
أتت.

أخذت طبقي و ذهبت إلى الثلاجة لأبحث عن عصير يساعدني على " الزرط ". كتب على الثلاجة
[ الرجاء مساعدتنا على التنظيف. كل طالب يقوم بغسل أطباقه بعد الأكل. و من يريد تناول وجبته
خارج المنزل، نرجو أن يكون لدينا خبر مسبق بذلك حتى لا نقوم بإعداد وجبته. أيضاً، قم بترتيب
غرفتك، خاصة في أيام الويك إند. نتمنى لكم إقامة ممتعة معنا. آلفيس ]

فتحت الثلاجة. وجدت ثلاثة علب من عصير التفاح، و ثلاثة من المنجا. “ على فكرة، أحس كلمة منجا
تجيب لي المر ! ”. بيت لا يوجد فيه عصير برتقال ؟؟!

كان عصير التفاح أقرب إلى ذاذقتي من عصير " المنجا ". أخذت الطبق و العصير و عدت إلى
غرفتي لأتابع مسلسلي.

بدون أن أشعر، نمت حتي أذان المغرب. أذان المغرب هنا في الساعة التاسعة مساء. بعد دقائق
من " التمغط " سمعت " طقطقة " في المطبخ. غير آبه بوجه المتنفخ من آثار النوم، خرجت للقاء
العائلة. كان أحمد و حسين يغسلان الصحون.

[ ارحب ! المعذرة، أزعجناك ؟ ] قال حسين، الذي يبلغ من العمر ١٨ سنة غير أنه يبدو أكبر من
ذلك بكثير شكلاً و أسلوباً. التفت إلي أحمد و قال: [ أهلاً أهلاً، حي الله السعودي و يا هلا بريحة
الحبايب ! ]. بعد أيام من التعارف صدمت بعمر حسين، ٢٧ سنة لم تكن ظاهرة على فكره أو
شكله.


توجهنا إلى صالة المنزل. جلسنا حول التلفاز نتحدث و نتسامر. [ وين العايلة ؟ كل ذا بحر ! ]
سألتهم. قال حسين: [ موجودين فوق ! ].

قاموا بإيضاح الصورة التي لم تكتمل في رأسي. فالغرف الموجودة في الدور الذي كنت فيه
لا تكفي لثلاثة طلبة مع العائلة !. سألتهم: [ و الحين كيف نحتك فيهم و نسولف معهم و نطور لغتنا ؟ ]
[ والله شف يا طويل العمر، هم كل يوم ينزلون و يحطون العشاء لنا. طبعاً فيه كورن فليكس
و فيه توست و جبن و كلش عندنا إذا تبي تسوي لك فطور. و إذا نزلوا تقدر تحتك فيهم. و أحياناً
يجلسون معنا و يسولفون ] كان أحمد يتحدث بينما حسين منشغل في أكل رقائق " التشيبس "
و مشاهدة التلفاز بابتسامة غريبة على محياه.

قبل ذهابنا للنوم، نزل إلينا آلفيس، شاب ثلاثيني من العمر من البوسنة و الهيرسك. قام بالترحيب
بي، ثم سلك الحديث مسلكه تجاه كندا و عن الأماكن التي يستحسن على زيارتها. أنهينا الحديث
و توجه كل منا إلى فراشه.

لم تكن الوقائع تصل إلي حد التطلعات. و لكنها أفضل من لا شيء !


صور مختارة ( اضغط على الصورة للتكبير )




صورة غرفتي، سريرين.


المنظر الذي أطل عليه من الغرفة.