2014/10/10

هل حقاً يكرهنا الكفار؟

هل حقاً يكرهنا الكفار؟






في ٢٠٠٩ ذهبت إلى فانكوفر، كندا، لأجل السياحة و تدارك ما يمكن تداركه من لغتي الإنجليزية. طلبت منا المعلمة في أسبوعنا الثاني أن نكتب صفحة عن أي موضوع نريد، شريطة أن لا تقل عدد الكلمات عن ٣٠٠ كلمة. في طريقي للمنزل كنت أفكر عن أي موضوع سأكتب. قررت أن أكتب أخيراً عن ما أشعر به حقاً في كندا، و عنونت موضوعي بكلمة واحدة: منبوذ. كان الموضوع يتحدث عن نظرات الطلبة الفوقية لي، و ازدرائهم الواضح لكل ما أقوم به. و بررت أفعالهم تلك و موقفهم العدائي معي بأنني مسلم؛ أو في أقل تقدير بأنني عربي. بعد تسليمنا لمواضيعنا و عند انتهاء الحصة استأذنتني المعلمة بأن أبقى معها لمناقشتي حول موضوع خاص، ففعلت. قدمت لي ورقتي و سألتني: هل فعلاً تشعر بأنك منبوذ؟ أجبتها: نعم. قالت: هل قال لك أحد كلام جارح أو انتقص منك أو كان عنصرياً في تصرفاته معك؟ أجبت بالنفي. ابتسمت و أخبرتني أنه من المستبعد في معهد يضم جنسيات مختلفة أن يسلط الكراهية على جنسية بعينها، أو دين بعينه. نصحتني بأن أزيل هذه الشكوك من رأسي و أن أنظر للمحيط بنظرة مختلفة و سأشعر حينها بأن وجودي كوجود أي طالب آخر، يتم التعامل معه باحترام و تقدير دون النظر لأي دولة ينتمي هذا الطالب أو أي دين يدين به. و بالفعل، و مع مرور الأيام بدأت أتعامل مع الجميع كما لو كنت الطالب المفضل في المعهد حتى كونت صداقات شتى مع طلبة من مختلف الدول. اكتشفت حينها أن الجميع يحترمني، ليس لأني عربي، و لا لأني مسلم، و لكن لأني ببساطة إنسان.

دخل شهر رمضان و أنا في المعهد. بعد انتهاء الدرس أخبرتني المعلمة أنها تعرف بعض المعلومات عن رمضان و عن صيامنا، و أنه يجوز لنا الفطر في السفر. سألتني: هل ستصوم رمضان؟ أجبتها: نعم. قالت: إذاً لا مانع لدي إن غبت غداً أو حضرت نصف الحصة حتى لا ترهق نفسك. أعجبت كثيراً بتفهمها لموقفي و احترامها لديني و رغبتها في التسهيل علي لأداء فريضة الصيام. شكرتها و أخبرتها بأني سأحضر غداً كبقية الأيام دون تأخير. اليوم التالي كان يوم الجمعة، و في كل جمعة هناك فعالية ثابتة، و هي أن يقوم كل طالب بإحضار وجبة خفيفة معه ـ الموز مثلاً أو عصير التفاح ـ ثم نشاهد فيلماً وثائقياً نتناقش حوله بعد انتهائه حتى نقوي لغتنا في النقاش. قبل بداية الفيلم اعتذرت المعلمة من الجميع و قالت: لا نستطيع اليوم تناول الوجبة الخفيفة في حين مشاهدتنا للفيلم، يمكنكم تناولها خارج الفصل ثم العودة لمشاهدة الفيلم، ذلك أن اليوم هو أول أيام شهر رمضان حيث يصوم أصدقاؤنا المسلمون من الفجر إلى المغرب و نحن لا نريد أن نضايقهم بأكلنا أمامهم. كنت الطالب المسلم الوحيد في الفصل، أخبرتهم بأن الموضوع أسهل بكثير مما يتوقعون، و أنني في الأساس لا آكل كثيراً و سأُحرج كثيراً لو امتنعوا عن الأكل بسببي.


كانت هذه بعض المواقف التي عشتها في فانكوفر، تفاجأت كثيراً بتعاملهم و احترامهم لي و لديني. اجتاحتني مشاعر متضاربة حينها، بالراحة و الندم في ذات الوقت. الراحة لوجودي في مجتمع لا يختلف تعامله معي بناء على توجهي الديني أو اختلافي العرقي أو المذهبي. و بالندم على تصوري الخاطئ الذي بنيته عنهم وفقاً لما سمعت. الحقيقة لا يقع كل اللوم علي، و إنما على الأشخاص الذين نقلوا لنا صورة مظللة عن كل من لا ينتمي لديننا، سواء بكرههم لنا، أو وصفهم بأوصاف لا تليق إلا بالبهائم كعديمي الغيرة و سيئي التعامل. يقع بعض اللوم علي أيضاً إذ صدقت ما يقولون دون تثبت أو دليل. في الحقيقة هم يغارون، و حتى إن لم يعاملوك بخلق حسن بدافع من النبل و الإحسان، فهم سيحترموك حتماً خوفاً من القانون الذي سيحميك منهم و من أي تعدٍ.

للأسف، يقوم بعض الأشخاص كذباً بتشويه صورة المخالفين له دينياً بحجة الانتصار للدين، و محاربة الكافرين. و هو بكذبه هذا لا يقيم وزناً لقول الله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ) فمخالفة الكافر لدينك لا تسوغ الظلم في حقه و قول ما ليس فيه. هم بكذبهم لا يعلمون أنهم ينخرون في مصداقيتهم و المؤسسة الدينية بأكملها، و قد ينتج عن ذلك حينما يكتشف الفرد العامي كذبهم تشكيكه بالدين و أنه مبني على كذب مماثل.

هنا نقطة يجب التنبيه عليها وهي: من هو الكافر؟
 الكفر اصطلاحاً، و هو كما عرفه ابن القيم: (الكفر جحد ماعلم ان الرسول صلى الله علية وسلم جاء به ، سواء كان المسائل التي يسمونها علمية أو عملية ، فمن جحد ما جاء به الرسول صلى الله علية وسلم بعد معرفتة بأنه جاء به كافر في دق الدين وجله) لاحظ قوله "بعد معرفته"، و بعضنا يكره غير المسلمين بالعموم سواء عرفوا الحق أم لم يعرفوه. لماذا يعتقد البعض أن كره غير المسلمين و التعامل معهم بجفاء سيحببهم في ديننا؟ و لماذا لا نرضى التصرف ذاته حين يصدر منهم؟ يجب أن التحب للآخرين الخير كما أحب الرسول ﷺ الخير لكل من دعاه، بما فيهم ابن جاره اليهودي. بالتعامل الحسن ننقل صورة حسنة عن ديننا و نحبب الآخرين بالإسلام حيث ننقل بتصرفاتنا تعاليم ديننا بأفضل وجه.

قبل ما يقارب السنة في أمريكا حدثت حادثة المسلح الذي اقتحم مدرسة الأطفال و قتل فيها عدداً من الأطفال و المعلمين. الكثير في تويتر كتب تشفياً اللهم زدهم نكالاً كما فعلوا بأطفالنا في فلسطين. و كأن الأطفال و المعلمين هم من قتلوا الأبرياء في فلسطين. نعمم عليهم أنهم كفرة و أنهم كلهم مشتركين في جرائم القتل و أن كل فرد فيهم له يد في قتل أي مسلم، ثم بعد ذلك كله لا نريدهم أن يصفونا جميعاً بالإرهاب و نطالبهم بتخصيص التهمة بمرتكب الجريمة فقط. إذا كنا لا نرضى القتل لأطفالنا العُزّل المسالمين الذين تغتصب أراضيهم، فكيف بنفس العقل نرضاه لغيرنا؟ كرهنا يجب تسليطه على العدو المحارب الظالم و ليس المسالم الذي لا ناقة له و لا جمل في معارك الدين و الدنيا.

لا أريد أن أطيل أكثر عليك صديقي القارئ و لكن هذه بعض الصور التي قد تريك جانباً لم تره فيهم، ليسوا كلهم سواء فمنهم الجيد و منهم السيء، و لكن هذه الصور قد تعطيك نظرة أكثر إنصافاً:


طالب غير مسلم يحمل المظلة على رؤوس زملائهم المصلين أثناء صلاتهم اتقاء الشمس

متظاهرين يهود يحملون لافتة كتب عليها: فلسطين هي أرض الفلسطينيين.

 أطفال إيرلنديون يضعون لافتة كتب عليها: إذا كنت ترغب بإجاد مكان آمن فلا تقف بجانب طفل فلسطيني.


 أب يهودي مع أطفاله يحملون لافتة كتب عليها: نفضل السجن على الالتحاق بالجيش.

فيديو: كاميرا خفية يقوم موظف إحدى المحلات بإلقاء كلام بذيء على ممثل يظهر كأنه مسلم أمريكي أمام المتسوقين لمعرفة ردة فعلهم، تدخل جندي أمريكي في الموقف بصرامة، انظر لموقفه

في نهاية التدوينة أريد أن أختم فأقول: نعم هناك من يكرهنا لديننا، كما أن فينا من يكره الآخرين لدينهم و لكن قاعدتنا الإسلامية تتمثل في قول الله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ) فإذا كنا لا نرضى الظلم علينا بسبب اختيارنا الديني فقط، فكيف نرضاه لغيرنا؟


2013/09/15

لماذا ابني ليس ذكياً؟ "افتا"

لماذا ابني ليس ذكياً؟ "افتا"




قبل عدة سنوات ـ في المدرسة ـ كنت أجد صعوبة في التركيز أثناء شرح المعلم. كنت ألوم نفسي كثيراً على ذلك، بالرغم من بذلي مجهوداً كبيراً حتى أكون حاضر الذهن أثناء الحصة. غالباً ما تنتهي محاولاتي بالفشل. إذ أخرج بخيالي خارج حدود الفصل إلى عالم مختلف تماماً لا يقطعه إلى صراخ المعلم لي: فراس وين رحت! اعتقدت آنذاك أني لم أعد أحب المدرسة، و لم أعد أستمتع بشرح المعلم كما كنت. بدأت تسكنني فكرة أني طالب كسول و أن مستواي الدراسي سينخفض تبعاً لذلك. اكتشفت صدفة بعد فترة أني لا أستطيع قراءة اللافتات البعيدة نسبياً في حين كان أصدقائي لا يجدون مشقة في قراءتها. أجريت فحصاً لنظري فوجدت أن لدي ضعفاً و انحرافاً في النظر. نصحني الطبيب بلبس النظارة ففعلت. أصبحت الحروف أوضح، و الكلمات أقرب، و بات التركيز عملية سهلة. تحسن مستواي الدراسي و عادت نفسيتي للدراسة كما كانت. 

أحياناً نعتقد أن أبناءنا كسولين، و لا يعطون الدراسة القدر الكافي من اهتمامهم. نراهم ينشغلون كثيراً بأي شيء عنها، بالرغم من ذكائهم إلا أنهم غالباً ما يستغلون هذا الذكاء في شيء لا يفيدهم! ما الحل إذا؟ الحل أولاً هو معرفة المشكلة. قد يكون طفلك مبدع حقاً و لكنه يعاني من شيء تجهله. ضعف في السمع، أو في البصر كحالتي، أو يعاني من شيء آخر تماماً. 

لماذا أكتب هذا الموقف الآن؟ السبب بسيط جداً. في شهر رمضان دعاني صديقي لحضور حفل سحور أقامته إحدى الجمعيات، جمعية  افتا: جمعية دعم اضطراب فـرط الحركة و تـشتت الانتباه. في ذلك الحفل سمعنا معلومات مهولة عن هذا الاضطراب الذي قد يكون الكثير من أطفالنا مصابين به دون علمنا. فعدد الأطفال المصابين بهذا الاضطراب في الرياض فقط يبلغ ١٢,٦٪ و في الدمام النسبة أكبر، إذ تبلغ ١٦,٧٪ !

لماذا موضوع افتا يهمني؟ لأن الموضوع خطير جداً. فبالرغم من كمية الإبداع الموجودة فيهم فإنها إن لم تستغل كانت سلاحاً خطيراً ضد المجتمع. سأذكر بعض الآثار السلبية التي تنتج عن المصابين بهذا الاضطراب:

ـ ضعف التحصيل الدراسي: طرد من المدرسة، توقيف، عدم الحصول على شهادة ثانوية.
ـ طلاق و انفصال الوالدين نتيجة كثرة المشاكل حول ابنهم دون علمهم بالسبب.
ـ يميلون للـ: السرقة، اقتحام المنازل، التعدي الجسدي، التعدي بالسلاح، و الاعتقال أخيراً.
ـ نسبة الجرائم لأطفال افتا ٤٦٪ و أقرانهم السليمين ١١٪.
ـ يلجأ للتدخين قبل سن ١٦ سنة ٧٥٪ من المصابين بافتا.
ـ أكثر عرضة للإدمان على: الهيروين / ماريجاوانا / كريستال ميث / الغراء / الكوكايين / الكحول.

هذه بالنسبة للأضرار السلبية التي يقع تأثيرها على المصاب و أهله. أما بالنسبة للخسائر المادية على الدولة، ففي أمريكا قاموا بإجراء إحصائيات حول هذه الخسائر فخرجوا بالأرقام التالية:

ـ ١٣,٦ مليار دولار سنوياً تكلفة المشاكل الأكاديمية.
ـ ٣٠٧ مليار دولار الخسارة المالية الناتجة عن الخسارة الإنتاجية للمصابين بافتا.
ـ ١٢,٨٦٨ دولار للفرد الواحد و هي التكلفة الناتجة عن جرائم الفرد الواحد من افتا. أقارنهم السليمين تبلغ متوسط تكلفة جرائمهم إلى ٤٩٨ دولار.
ـ ٤٢ مليار دولار سنوياً هي التكلفة الاقتصادية لافتا (تكلفة التعليم و الصحة و الجريمة).


السؤال الآن: هل ابني مصاب بافتا؟ تستطيع أن تعرف إجابة هذا السؤال بنفسك من خلال ملاحظة الأعراض الثلاثة الأساسية لهذا الاضطراب على ابنك و هي:

ـ تشتت الانتباه.
ـ فرط حركة.
ـ الاندفاعية.


و هذه الصورتان ستوضحان لك أكثر ما هي الأعراض و كيف تكتشفها:

تشتت الانتباه و فرط الحركة


الاندفاعية 


حتى إن وجدت هذه الأعراض الثلاثة في ابنك فهناك أربعة شروط يجب أن تتواجد فيه:

١ـ أن تظهر عليه الآثار قبل سن السابعة.
٢ـ أن تحدث الأعراض في مكانين مختلفين على الأقل: المنزل ـ العمل ـ المدرسة ...إلخ
٣ـ أن تؤثر بشكل سلبي و كبير في جوانب متعددة من حياته: اجتماعياً، مهنياً، تعليمياً.
٤ـ أن تستمر الأعراض لأكثر من ستة أشهر و أن لا يكون ظهورها نتيجة لحالة عاطفية مرضية أو عقلية.


بعد أن تتأكد من أن ابنك يعاني من افتا فإن العلاج يتكون من ثلاثة أقسام: دوائي، و تربوي، و سلوكي. طرق العلاج سهلة و لمعرفة المزيد يمكنة التواصل مع جمعية افتا :

الموقع: http://ar.adhd.org.sa/
الحساب في تويتر: https://twitter.com/adhdarabia


الجانب المشرق من الموضوع: افتا يدفعك للإبداع! فتشتت انتباههم و فرط الحركة لديهم ينتج عنه الكثير من الأفكار الخلاقة و الطرق الجديدة التي يندر على غيرهم الوصول إليها. هذه بعض الأمثلة لمشاهير العالم الذين أبدعوا و هم مصابون بهذا الاضطراب: 


ألبرت أينشتاين: من أشهر علماء الفيزياء في العصر الحديث و صاحب النظرية النسبية


والت ديزني: الشهير مؤسس أشهر شركة إنتاج صور متحركة في العالم


مايكل فيلبس: السباح الأمريكي محطم الأرقام القياسية و صاحب الميداليات الذهبية


أجاثا كريستي: صاحبة أشهر الروايات البولوسية




     ختاماً؛ يجب أن نعي جيداً أن هناك أسباب خلف كل مشكلة يقع فيها الآخرون، بعضها نعلمها و البعض الآخر نجهله. لذا قبل أن نوجه أصابع الاتهام لمن أخطأ يجب أن ندرس كل الاحتمالات و لا نستعجل. فقد يكون سبب تأخر ابنك الدراسي خارج عن ارادته، مصاب بـ افتا مثلاً.

2013/07/21

لماذا يتوقف الآخرون عن حبنا؟



لماذا يتوقف الآخرون عن حبنا؟




متى نتوقف عن حب الآخرين؟ أو متى يتوقف الآخرون عن حبنا؟ لماذا تستمر بعض العلاقات و البعض الآخر تنقطع؟ هل حبنا لغيرنا مصلحة ينتهي بانتهائها؟ بارتوائنا منهم؟ لماذا تدوم الصداقات فترة أطول من علاقات الحب؟ و لماذا تنجح زيجات و تفشل أخرى؟ في الحقيقة؛ هي قاعدة في الحب بسيطة تشرح كل شيء: ينتهي حبنا للآخرين حينما يزول ما كنا نحبه فيهم.


لو أن رجلاً أحب امرأة لجمالها لانتهى حبه لها حينما تشيخ ملامحها. و لو أحبت امرأة رجلاً لأنه يضحكها لنضب حبها له حينما تصبح نكاته في نظرها سمجة. لذا فإن الحب الذي يبنى على التعلق بشخصية الآخر هو الذي يستمر في الغالب إلا حينما تتغير هذه الشخصية مع مرور الأيام. و للأسف فإن أكثر المحبين يحاولون أن يضعوا بصمتهم في شخصيات من أحبوا فيغيروها حتى إذا ما مرت الأيام ملّوا ذلك التغيير فيهم و قالوا: لم تعد كما كنت حينما أحببتك. فيذبل الحب حتى يموت.

إن الأشخاص الذين يحاولون جذب الآخرين لهم بأشكالهم و مظاهرهم ينجحون غالباً مع من يتعلق بالشكل فقط، و لكن حب الآخرين لهم لا يدوم طويلاً ـ في الزواج مثلاً ـ فالمنظر يُملّ سريعاً و يصبح مع الأيام قناعاً جميلاً تختبئ خلفه شخصية هزيلة. أما الأشخاص ذوو الشخصيات الرائعة و المرحة و الجميلة فهم حتى و إن كانوا يجذبون الآخرين لهم ببطء فإنهم لا يخسروا هذا الحب الذي أوجدوه بسهولة. فغالباً ما تَزِين شخصياتهم مع مرور الوقت أكثر فأكثر، فلا يمل الناس مجلسهم و لا قربهم. 

إن حبنا لأمهاتنا و آبائنا لا ينتهي، و علاقتنا مع أصدقائنا بالكاد تنقطع. لأن الحب الذي نحمله في قلوبنا لأمهاتنا و آبائنا متعلق بحجم المواقف التي عاشوها معنا و التضحيات التي قاموا بها من أجلنا. نحن لا نحبهم لأنهم أجمل من غيرهم، بل لأننا علقنا تلك المحبة بشخصياتهم الجميلة التي قدمت ـ و ما زالت تقدم ـ أبناءها في كل موقف على نفسها. لذا، فحبنا لهم يدوم أبداً. و الأصدقاء تربطنا بهم شخصياتنا المتقاربة و اهتماماتنا المشتركة. نحبهم لأنهم يحبون ما نحب و يكرهون ما نكره و يحترمونا كما نحن و لا يحاولون جاهدين تغييرنا ما دمنا لا نريد تغيير أنفسنا. هم يقبلونا كما نحن، لذا نشعر بأريحية في التعامل معهم فلا نتوقف عن حبهم و لا يجف الوصال إلا حينما تتبدل هذه الصفات فينا أو فيهم.

و هذا يفسر كثيراً ظاهرة موت عجوز بعد موت زوجها بفترة قصيرة أو العكس. هم علّقوا حبهم للحياة بأزواجهم، يحبون الحياة ما دام أزواجهم فيها. فيستمدون منهم الطاقة كل يوم، و من أجلهم يتقوون ضد أمراضهم و يحاربون أيامهم السيئة. فإذا ماتوا خبت تلك الروح العالية، و كرهوا الحياة و أحبوا الموت. لأن الموت الآن سيجمعهم مرة أخرى بمن يحبون. الحياة لم يعد فيها ما يستحق العيش من أجله.

من المهم جداً حينما تريد أن تستمر علاقتك بشخص تحبه جداً أن تعلق محبتك هذه بشيء يصعب زواله فيه. لا تحبه لشكله، فالعالم مليء بمن هم أجمل منه. و لا بمهاراته، فستلتقي بأناس أمهر منه. و لكن بروحه و حبه لك و تقبله لعيوبك و اهتمامه بك. أحبه لتلك التفاصيل الصغيرة التي لا يعرفها عنه أحد سواك. ستجد أنك متعلق بكيان خاص فيك، حتى الذين من حولك سيتعجبون من هذا التعلق بشخص قد لا يروه ذا جاذبية تذكر. و لكنك وحدك تعرف لماذا يستحق كل هذا الحب. أدام الله عليكم حبكم و من تحبون.

2013/05/20

مصلحتك قبل مصلحتي


مصلحتك قبل مصلحتي







القاعدة الرئيسية لنجاح أي علاقة من وجهة نظري الخاصة هي: أن يسعى كل طرف من أجل سعادة الطرف الآخر. و يمكننا قياس هذه القاعدة على العلاقة الزوجية: لو حاول كل طرف من طرفي هذه العلاقة أن يبذل قصارى جهده و طاقته من أجل سعادة الطرف الآخر لاستمرت العلاقة فترة أطول و بشكل أفضل و بروح أجمل حتى يبدأ أحد الطرفين بالتفكير في نفسه على حساب الطرف الآخر. نقيسها أيضاً على علاقة أخرى، علاقة الأب بابنه و الابن بأبيه: لو كان الأب يساند ابنه في تحقيق أحلامه و تشجيعه ليتجاوز معه كل المعوقات من دافع الحب له و يظهر كل أفعاله بشكل يستشعر الابن من خلالها أنها ليست رغبة أبيه و إنما مصلحته الشخصية هي الدافع لكان المردود من ذلك هو طاعة الابن لوالده و التعامل معه بمقدار الحب الذي يتلقاه منه، و لبدأ الابن بتقديم رغبات أبيه على رغباته الخاصة محبة و تقديراً و إجلالاً بكل طواعية. تبدأ العلاقات بالفتور ثم بالانقطاع حينما تسير نحو التفكير بالمصلحة الشخصية. لذلك، فإن العلاقة المقدسة بين الأبناء مع أمهم لا تموت أبداً، لأن الأم يندر جداً أن تقدم مصلحتها على مصلحة أبنائها. الأب يفعل ذلك أيضاً، إلا أنه لا يستطيع إشعارهم بذلك، بالقدر الذي لا تتحرج الأم من التصريح به لهم. فهي لا تفرح إلا لنجاح أبنائها، و لا تحزن إلا لتعبهم. و العجيب أيضاً أن المهدئ لمشاكلها و المغير لمزاجها الحزين قد يكون شيئاً بسيطاً: كأن ترى أبناءها سعداء!

أنا هنا لست بصدد الحديث عن علاقة الابن بأمه أو أبيه، و لا الزوج بزوجته أو العكس، أنا هنا أكتب هذه التدوينة لأتحدث عن علاقتنا نحن المجتمع ببعضنا: لن ينجح مجتمع أبداً يفكر كل فرد فيه بنفسه فقط، و يقدم مصلحته الشخصية على مصلحة غيره. مجتمع الغاب هو المجتمع الذي يأكل القوي فيه الضعيف، و يتفاخر الناس فيما بينهم بالشخص الذي "يعرف من أين تؤكل الكتف". هو مجتمع يعتبر الخداع ذكاءً، و الغش تجارةً، و التدليس براعةً في الإقناع، و الكذب نمطاً للعيش. في هذا المجتمع تنعدم الأخلاق، و يُتجاوز فيه القانون، و تتفشى فيه الجريمة، و يكثر فيه الكذب، و تُلوى فيه أعناق الحقائق، و تُلبس فيه الأقنعة، و تنتشر فيه النميمة، و تؤكل فيه أعراض الناس بالباطل، من أجل هدف واحد، واحد فقط: الوصول إلى المصلحة الشخصية.

في المجتمع الذي يقدم فيه الناس مصالح غيرهم على مصالحهم الشخصية لا تتواجد السرقة، و لا الغش، و لا النميمة، و لا الكذب، و لا ارتفاع الأسعار، و لا غلاء الأراضي، و لا نقص في الجودة، و لا تفكك في المجتمع، و لا انعدام في الأمن. هي مجتمعات مرتبطة بميثاق الأخلاق العامة التي تتفق عليها الفطرة، تسمو بروح المجتمع عن كل رذيلة لأن القاعدة فيها بكل بساطة: مصلحة غيري قبل مصلحتي أنا! و قد قال رسول الله : (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه )). 
و من هذا المبدأ كانت هذه القاعدة، و هي: قاعدة الإيثار.




لماذا لا ترتفع الأسعار في مجتمع مُؤثِر؟ لأن البائع لن يرفع السعر على المشتري و لن يضطر إلى أن يحلف له بأنه يبيعه السلعة بسعر الجملة، و لأن البائع أيضاً قد يعطي المشتري السلعة حتى لو لم يكن معه قيمتها في تلك اللحظة على ثقة بأنه سيدفع القيمة وقت حصوله على المبلغ المطلوب. في نفس الوقت لن يجادل المشتري البائع، لأنه يضع نفسه مكان البائع و يتمنى للبائع الخير و الازدهار و الغنى، فلا يمانع في دفع القيمة التي يراها البائع مناسبة لسلعته لأنه أيضاً على ثقة بأن البائع لن يغشه و أن البائع يتعامل معه كما يتعامل مع شخص يهمه أمره فلا هو بمطفف و لا هو بغاش. كذلك لو قسناها على الأراضي؛ كيف لمجتمع مُوثِر أن يحبس الأراضي البيضاء عن المحتاجين للسكن؟ أصحاب الأراضي في تلك المجتمعات المُؤثِرة يقومون بأنفسهم بتقسيم الأراضي و تطويرها و تحسينها و تجهيزها بكل مستلزماتها حتى تكون صالحة للاستخدام ثم يبيعونها للمحتاجين للسكن بالسعر و الطريقة التي يرونها تتلائم مع أوضاعهم ـ المشترين ـ و تسهل عليهم تملكها. في المقابل، يقوم المشترين بالتعامل معهم بكل ثقة فلا يتأخرون بدفعاتهم المالية لهم و يكرمونهم أيضاً لأنهم أحسنوا إليهم. في هذه المجتمعات لا يوجد فقير يطلب، فالمعونة تأتيه لأن المجتمع لا يرضى أن يعيش فرد فيه عيشة لا تليق بإنسان. و لا يسرق السارق، لأنه يعلم أن ليس في سرقته إلا ضرر شخصي و ضرر متعدٍ على غيره أيضاً، فيكف يده عن جريمته. كذلك المغتصب و المرتشي و المغتاب و الفاجر و اللعان، كلهم لا يتعدون على أحد، لأنهم ببساطة إن بحثوا عن المصلحة لغيرهم فلن يسلكوا هذا المسلك الذي لن يؤدي إلا للمفسدة لهم و لغيرهم.


هذه المجتمعات كيف نصل إليها؟ هي لست مجتمعات بعيدة المنال، ليست صعبة الوصول، و ليست مقصورة على أحد. لم يختصها الله لدين معين، و لا لطائفة معينة. هي للمجتمعات التي يتم تعزيز ثقافة الأخلاق فيها. ينشأ الطفل في بيتٍ و مدرسة و مجتمع يتعامل كل فرد فيه بالأخلاق، يرضعه مع حليب أمه، و يتلمسه في تعامله مع صحبه، و يراه جلياً واضحاً في كل منحى من مناحي حياته. الخطوة الأولى ليست بالوقوف على المنابر و الترويج لهذه القاعدة، الخطوة الأولى هي أن تبدأ "أنت" بتطبيقها، في سلوكياتك و تعاملاتك مع الآخرين. في البيت مع أهلك و خادمتك و سائقك، و في المدرسة مع مدرسيك و صحبك، و في الشارع مع كل من تصادفه. ابتسم لهم لأنك تحب أن تراهم سعداء، و امسك الباب لمن هو خلفك لأنك تريد أن تشعره بأنه شخص مهم بالنسبة لك، و احمل الأغراض إلى سيارة أحدهم ليشعر بأن له أخ في هذا المجتمع لا تربطه فيه قرابة. ابدأ بالأشياء الصغيرة و لا تحاول الترويج للقاعدة بلسانك، فحديث أفعالك له وقع أقوى في نفوس الآخرين من أقوالك.

2013/03/02

الهدوء مزعج

الهدوء مزعج






     ما هو الإزعاج؟ و لماذا يقول البعض: "الهدوء مزعج!" و هل حقاً يمكن أن يكون الهدوء أكثر إزعاجاً من الضجيج؟ نعم.الإزعاج: هو التغير المفاجئ في وتيرة الصوت. بمعنى، لو أنك كنت في غرفة هادئة هدوء تاماً ثم اشتغلت ساعة الحائط فجأة و بدأت تسمع عقاربها فذلك سيزعجك. لأن صوت عقارب الساعة هو التغيير المفاجئ في وتيرة الصوت. إذاً، كيف نقول أن الهدوء مزعج؟ في نفس المثال و بعد ١٠ دقائق و حين تعتاد أذنك على صوت عقارب الساعة ستكون وتيرة الصوت الثابتة في خيالك هي الهدوء + صوت عقارب الساعة. لذا، لو توقفت عقارب الساعة عن العمل ستنزعج لأن وتيرة الصوت تغيرت مرة أخرى! و هذا ما يفسر حبنا للنوم تحت صوت المكيف.

نحن نحرص أن ننام في غرفة نسمع فيها صوت المكيف. نحب الهواء البارد طبعاً، و لكننا نحرص أكثر على صوت المكيف. لماذا؟ لأن صوت المكيف المرتفع يكون بمثابة العازل الذي يعزل سمعنا عن أي تغيير مفاجئ في وتيرة الصوت. فنحن مع صوت المكيف لا نعلم ما إذا اشتغلت عقارب الساعة أم توقفت. و ما إذا كان إخوتنا يتحدثون في الصالة أم لا. يكون الإنسان في قمة الراحة حيث ينعم بوتيرة صوت ثابتة، و في هذا المثال فوتيرة الصوت الثابتة هي صوت المكيف و الذي سيكون بمثابة العازل لأي تغير مفاجئ في صوت المحيط.

و من هذا المبدأ نستطيع معرفة لماذا الهدوء مزعجاً. لأننا حينما نقفل أنوار الغرفة و نسدل الستار على نوافذنا و لا نقوم بتشغيل المكيف، ترتكز كل قوى خلايانا الحسية في السمع، فالعين لا ترى شيئاً في الظلام. فنحن حينها نقوم بسماع أصوات القطط في الشارع، و حديث الجار من النافذة. حتى أننا نستطيع أيضاً سماع "طقطقة" الثلاجة و عقارب ساعة الحائط. نكون في حالة الهدوء التام أكثر عرضة للإزعاج، فأي تغيير في الصوت يمكننا ملاحظته بسهولة، لأننا لم نضع عازلاً صوتياً يمنع إدراكنا لأي تغير خفيف و مفاجئ في الصوت.

و هذا يفسر أيضاً أحد الأسئلة التي تتكرر من الآباء للأبناء عادة حينما يرفعون صوت المذياع في السيارة: كيف يمكنكم الاستمتاع بالقيادة و الراحة في السيارة وسط هذا الإزعاج؟ الحقيقة أن هذا ليس إزعاجاً. هو هدوء من نوع آخر، لأن وتيرة الصوت المرتفع ثابتة لم تتغير حتى تعودت الأذن عليها فوصلت نفسه إلى مرحلة الاستقرار و الهدوء.

أختم بتجربة أغلبنا قد مر بها و هي تجربة النوم أمام التلفاز و الصوت مرتفع. قد يكون نومك أمام التلفاز سببه متابعتك لمباراة و أنت مرهق أو مسلسلك المفضل و تركت صوت التلفاز مرتفعاً، ثم قامت أمك بإغلاق التلفاز لكي تنعم بالهدوء في نومك. و ما تلبث أنت إلا دقائق معدودة حتى تقوم من نومك. لماذا؟ لأن الصوت اختفى، و تغيرت وتيرة الصوت فجأة، فأزعجك الهدوء!

و دمتم مزعجين.

2013/01/25

روزنامة ألم ـ الأجزاء العشرة


روزنامة ألم ـ الأجزاء العشرة





أهلاً بكم جميعاً. هذه القصة كتبتها قبل خمس سنوات تقريباً. هي قصة عاطفية أبطالها: عبدالعزيز و يارا. هي ليست جديدة بالنسبة لمتابعي مدونتي الأوفياء. قراءة ممتعة لكل المتابعين الجدد.


روزنامة ألم | الجزء الأول

روزنامة ألم | الجزء الثاني

روزنامة ألم | الجزء الثالث

روزنامة ألم | الجزء الرابع

روزنامة ألم | الجزء الخامس

روزنامة ألم | الجزء السادس

روزنامة ألم | الجزء السابع

روزنامة ألم | الجزء الثامن

روزنامة ألم | الجزء التاسع

روزنامة ألم | الجزء العاشر "الأخير"

2013/01/22

مترو دبي


مترو دبي



صورة عامة لمترو دبي


في مترو دبي وقف أمامي رجل أوروبي و ابنته أمامه، ممسكاً هو بعمود القطار لتثبيت نفسه و هي تحيط ذراعها حول ظهر أبيها. بدا لي من مظهرها أنها في السادسة عشرة من عمرها، تزيد أو تنقص قليلاً، كانت تنظر إلى جوالها قليلاً ثم تعيد النظر إلى أبيها رافعة رأسها إليه لتحادثه. هو الآخر ينظر إليها بابتسامة حانية ثم يتنقل نظره مع نوافذ القطار. كلما أخفضت رأسها لجوالها استند بدقنه على رأسها و قبلها قبلات طويلة و متفرقة على شعرها. بدا لي أن البنت قد اعتادت تصرف أبيها هذا و تقبيله لرأسها لذا لم تخجل و لم تنزعج و لم تحاول تحريك رأسها بعيداً عن فم أبيها، كان يشاركها النظر إلى شاشة جوالها و يقرأ محادثاتها مع صديقتها التي تراسلها. شدني جداً ذلك المنظر و تلك العلاقة الرائعة التي ربطته مع ابنته. الحب الذي أشاعه لمن هم حوله في القطار كان ملفتاً. كنت أتفكر حينها و أنا أنظر إليهم: هل من الممكن أن تخون هذه البنت ثقة أبيها و هي تتلقى منه كمية الحب المهولة تلك؟ و هل ستتجرأ يوماً على إخفاء أمر عن أبٍ يحنو عليها كل هذا الحنان؟ و هل ستتخوف يوماً من مشاركة أبيها أي فكرة تخطر في بالها؟ أو أي تجربة تريد خوضها و هو يمنحها كمية من الثقة يجدر بكل أب منحها لابنته؟ كان المنظر جميلاً، جميلاً جداً إلى الحد الذي لم أستطع معه رفع عينَيّ عنهما، إلى الحد الذي جعل ابتسامة بلهاء ترتسم على شفتاي و يلحظها ابن عمي عَلَي!

سيبقى هذا الموقف عالقاً في ذهني زمناً طويلاً. أتمنى أن أكون يوماً كهذا الأب مع بناتي حين يكرمني ربي بهن، و لكني أعلم أن هذه المرحلة صعبة و لا تأتي إلا بعد أن أعي تماماً أهمية الحلم في التعامل مع أطفالي و أن كمية الحب الذي سأسقيهم بها صغاراً ستؤتي أكُلها لي حين يكبرون. 

❊ لم أكن أنوي إدراج هذه القصة على شكل تدوينة، كانت الفكرة عصرُها في تغريدة بـ ١٤٠ حرف و لكنها بذلك ستخسر الكثير من تفاصيلها الجميلة.

2012/12/10

لقاء وزير العمل

لقاء وزير العمل





ملحوظة: استنكر بعض المغردين على تويتر بادرة وزير العمل لدعوة بعض الشباب من أصحاب الرأي في تويتر زعماً منهم أنها عملية شراء أصوات و ضمهم في ركنه حتى يدعم بهم قراره، و هذا تحليل خاطئ لعدة أسباب منها: هذه الدعوة هي لبيان وجهة النظر لهؤلاء الأشخاص و هم بأمانتهم سينقلون الصورة دون توجيه أو تحكم من قبل الوزارة. كما أن هذه الدعوة هي بمثابة محفز لبقية المسؤولين أن يشركوا الشباب في القرارات و الحوار حولها بشكل أوسع في الأيام القادمة.


 لحظة البداية مع الوزير


بدأ اللقاء في تمام الساعة ٧:٤٠م في قاعة باريس بفندق الفور سيزون، حيث بدأ وزير العمل عادل فقيه حديثه مرحباً بالحاضرين و شاكراً لهم تجاوبهم، ثم افتتح كلامه قائلاً: أنا في هذا اللقاء لا أريد أن توافقوني رأيي و لكن أن تفهموا وجهة نظري و قد تقتنعوا بها. ثم استمر حديثه على مدى ٥٠ دقيقة تقريباً بشرح مدعم بشرائح الباوربوينت حيث تحدث من خلالها عن ما قدمه "حافز" و ما عملت "نطاقات" لعمله من سعودة الوظائف و عرض النتائج التي حققتاهما. 

تحدث بعد ذلك في إحدى محاوره عن الوظائف التي لا يرغب الموظف السعودي العمل فيها، مثل عامل النظافة و عامل البناء و غيره، لذا قامت الوزارة، و تقوم في وقتها الحالي، بابتكار وظائف جديدة و بأفكار إبداعية لإحلال موظف سعودي مكان الموظف الأجنبي. مثالاً على ذلك:

ـ في قسم المقاولات، عمال الخرسانات التي يقوم بخلط الخرسانة و يقوم عليها عمال أجانب نستطيع أن نرغم المشتري من أخذ الخرسانة من الشركة جاهزة و يقوم بخلطها آلياً موظفاً سعودياً في الشركة ذاتها.
ـ في قسم التصنيع، قمنا بالاستغناء عن ٢٠٠ عامل أجنبي يعمل في سلك التصنيع بفك الكراتين و تغليفها و توظيف ١٠ موظفين مكانهم خريجين للمعهد التقني و غيره حيث قمنا بإحضار آلات تقوم بالعملية كاملة و يقوم البعض منهم بالتحكم بها و الآخر بصيانتها.
ـ قسم النظافة، في الوضع الحالي لا نستطيع توظيف سعوديين، و لكن ماذا لو عيّنا مراقبين سعوديين للنظافة في الأماكن العامة برواتب معقولة يقومون برصد المخالفات و تقييدها على المخالفين، هكذا تقل كمية القاذورات و سنحتاج إلى عدد أقل من العاملين في النظافة و نوفر لهم الأجهزة المناسبة و برواتب معقولة.

و إغلاقاً لهذه النقطة قال: يجب أن يكون لدينا إبداع في حلول الوظائف، و هذا ما نعمل عليه الآن.

بعض الشرائح التي قام الوزير بعرضها


أكمل بعد ذلك حديثه من خلال شرائح العرض عن الخطط قصيرة المدى للحلول المطروحة للسعودة. بعد ذلك أتيح المجال للأسئلة. طرحت على الوزير الآتي:

يقول غازي القصيبي ـ رحمه الله ـ : “نحن نحاول أن نوظف شخصاً لا يريد العمل عند رجل أعمال لا يريد توظيفه". السؤال هنا: لماذا العاطل لا يريد الوظيفة؟ هل السبب عدم ملائمة الوظيفة؟ و لماذا لا يريد رجل الأعمال توظيفه؟ هل السبب عدم انضباط الموظف و عدم ملائمته للوظيفه و تكلفته العالية؟

المشكلة التي يواجهها السوق حالياً: 
ـ عدم انضباط الموظفين و تنقلهم بين الوظائف. 
ـ عدم الرغبة في العمل في الوظائف التي لا تتناسب مع شهاداتهم كموظف استقبال أو عامل نظافة و غيره.
ـ السعودة الوهمية.
ـ تجار الرخص المتسترين و أصحاب المنح.
ـ عدم وجود المهارة عند بعض الموظفين ليقوم أصحاب العمل بتوظيفهم.

ثم عرّجت على آثار القرار السلبية و هي:
ـ هروب العمالة للعمل عند من يعرض راتباً أعلى.
ـ ارتفاع أجور العمالة المنزلية من تقريباً ٨٠٠ ريال إلى ٢٤٠٠ ريال تقريباً.
ـ لا بديل للعمالة المنزلية إلا بالتواصل مع وسيط يوجد لك عامل بمبلغ كبير.
ـ ارتفاع الأسعار في كثير من الجهات.

اقترحت أخيراً حلاً جزئياً، من وجهة نظري، و هو:
ـ تعزيز ثقافة العمل في الحرف و حذف كلمة "عيب" من قائمة الكلمات المصاحبة للعمل، و هذه المسؤولة يتشارك مع وزارة العمل فيها وزارتي التربية و التعليم و الإعلام.
ـ قانون يضبط تسيب العمالة و يحفظ حق رجل الأعمال و رب الأسرة للعمالة المنزلية.
ـ إعفاء الشركات الصغيرة من هذا القرار حتى تتمكن من الوقوف على أقدامها.

كان جواب الوزير كالآتي:

ـ التضخم الصادر من القرار لا يتجاوز الواحد من الألف.
ـ أنا لا أتكلم عن الوقت الذي سبق وقتي في الوزارة، و لكن من حين استلامي حتى يومنا هذا لم يحصل أحد على منحة رخص أو رخصة بصفة غير شرعية.
ـ بالنسبة للعمالة المنزلية و التهرب، تقوم وزارة العمل بدراسة بوليصة تأمين ستطرحها في السوق قريباً تكلف الكفيل ريالاً واحداً يومياً تقريباً و توفر له الخدمات التالية:
١ـ يعوض تكلفة الاستقدام.
٢ـ البحث عن العمالة حتى إيجادها و إعادتها لكفيلها.
٣ـ التعامل مع حالة الوفاة من تغسيل و تكفين و غيره.
٤ـ تغطية التكاليف الصحية لعدد من الأمراض.
ـ بالنسبة لعدم انضباط بعض الموظفين الجدد في العمل فقال: تقوم الوزارة حالياً أيضاً بدراسة مشروع نطاقات الأفراد و الذي سنطرحه قريباً و الذي من خلاله سيكون تصنيف الموظفين من ناحية الانضباط و يعطون الألوان الخضراء و الصفراء و الحمراء بغرار نطاق الشركات. و المخالفين ستكون هناك عدة عقوبات منها:
١ـ يمنع من دعم صندوق الموارد البشرية.
٢ـ محاسبته من قبل الوزارة و قد يصل لمنعه من العمل.
ـ عدم توفر المهارة أجاب الوزير أن هذا جزء من المسؤولية التي تقع على عاتق رجل الأعمال أن يقوم بتوظيف العاطل و تدريبه حتى يحصل على المهارة التي يحتاجها للعمل.

تلا ذلك عدد من أسئلة الحاضرين الذين قاموا بطرحها بشكل صريح و صادق اتضح على الغالبية عدم استقبال هذا القرار بشكل إيجابي و امتعاضهم من نتائجه، و البعض الآخر أعجب به، الجميل أن في كلا الجانبين تجاوب معهم الوزير بشكل جميل و بابتسامة و تقبل كل الأسئلة و بكل صراحة و رحابة صدر. و قال أيضاً: قد يُغضب القرار في الوقت الحالي البعض، و لكن الآثار المترتبة عليه على المدى البعيد ستفيد الجميع بإذن الله.
 


الوزير لحظة استماعه لإحدى الأسئلة

لفتات جميلة:ـ حينما تمت الإشارة من قبل أحد الحاضرين للوزير السابق غازي القصيبي ـ رحمه الله ـ و بعض قراراته قال الوزير: أنا لا أريد أن أتحدث عن قرارات غازي القصيبي رحمه الله لأنه من السهل أن تنتقد الميت، هو ليس موجوداً ليدافع عن نفسه.
ـ حينما تمت الإشارة لمعارضة وزير التجارة و الصناعة، توفيق الربيعة، للقرار الصادر من وزارة العمل قال الوزير أنه تواصل معه هاتفياً و أنكر ذلك مستغرباً و قال: مثل هذه المقولة لا يرد عليها أساساً، كيف أعترض على قرار صادر من المجلس الوزاري و أنا عضو فيه؟!

اللقاء بشكل عام كان جميلاً، و كان تجاوب الوزير مع كل الحاضرين رائعاً، البسمة لا تفارقه. ولكن! تمنيت لو تواجد معنا أقطاب المعارضين لهذا القرار حتى يناقشوه بشكل متبحر فيقتنع أحد الطرفين الآخر لأن ما سمعناه كله كان يتحدث عن المعوقات و الإنجازات لبرامج الوزارة الأخرى كـ حافز و نطاقات، أما شرحه للقرار، أسبابه و العواقب التي نتجت عنه، فلم يكن واضحاً تماماً.

اللقاء استمر من ٧:٤٠ م حتى ١٠:٣٠م ثم انتقلنا إلى العشاء.

 جانب من الحضور




الخلاصة: 
 كان كلاماً جميلاً طويلاً و لكن مشتتاً للانتباه، تكلم كثيراً عن إنجازات وزارة العمل و العوائق التي واجهتها و عن "حافز" و "نطاقات" و النجاحات التي حققاها، و حينما وصلنا إلى النهاية عرّج على قرار الـ ٢٤٠٠ ريال تعريجاً سريعاً كأنه خلاصة للحديث الطويل الذي يسبقه، و ما زال السؤال الذي كنت أنتظر إجابته: قرار زيادة الـ ٢٤٠٠ ريال ما هو المأمول منها؟ و ما هو الواقع؟ و كيف يكون التضخم أقل من ١ من الألف و نحن نشاهد عكس ذلك. سؤال لم يجب عليه في نظري بشكل واضح. و إن أجاب فلم أفهم جوابه. كان لقاء لتوضيح القرار و للإجابة على التساؤلات، و ليس لقاء يخرج فيه بالتعديلات.

2012/10/08

أبو أريج

أبو أريج

 


تساءلت يوماً في إحدى مواقع التواصل الاجتماعي عن مقولة: "كل فتاة بأبيها معجبة". هل هي صحيحة؟ أم أنها مجرد مقولة؟ و هل حقاً تريد الفتاة أن تتزوج رجلاً كأبيها؟! اعتقدت أن المقولة أبعد ما تكون عن الصحة، فكل فتاة في نظري تريد أن تخرج من بيتها إلى عش الزوجية مع رجل أشجع و أكرم و ألطف و أنبل و أفضل و أجمل، خُلُقاً و خَلْقاً، من كل الرجال! حتى وصلتني هذه الرسالة من إحداهن تقول:
في ليلة البارحة تعجبت أخي فراس من مقولة: “كل فتاة بأبيها معجبة". و كيف لفتاة أن تتمنى الارتباط برجل يشبه أباها؟ و أنا هنا أتفهم استغرابك و تعجبك، كونك رجلاً تنظر للأمور بمنظور الرجال فقط، و لكن الأمور تختلف كثيراً لدينا، لأننا نفسر الأمور بطريقة مختلفة عنكم، فكما تهمكم الصورة الكاملة للمواقف، فالتفاصيل الصغيرة لدينا هي الأهم. نعم، أريد الارتباط برجل يشبه أبي شكلاً و خلقاً، فلم أرَ في الوجود رجلاً مثله!

تزوج أبي أمي و هي في العشرين من عمرها، و قبل ثلاث سنوات احتفلت أنا و إخوتي معهما بمرور عشرين سنة على زواجهما، و إلى هذه اللحظة يا أخي العزيز ينظر أبي إلى أمي نظرته لها في بدايات زواجهما. أبي يحب أمي كثيراً حباً لا يخفيه عنا. يقف في صفها في كل المواقف حتى التي يعلم يقيناً أنها مخطئة فيها. يتعامل معها كحبيبة، و صديقة، و زوجة، و أم لأطفاله، و أب يحميها من كل شيء.

التفاصيل الصغيرة يا فراس، التفاصيل الصغيرة هي التي تعنينا!

حينما نجتمع حول التلفاز لمشاهدة إحدى البرامج يحرص دوماً أن تكون أمي بجانبه، يلعب بخصلات شعرها، و يستمع إلى تعليقاتها حول البرنامج، و يمسك بيدها يتحسس أصابعها. كل هذه الأمور التي أراها تكون كتصريح لنا: أنا أحب أمكم! و هي ملاكي.

التفاصيل الصغيرة!

يحرص أبي كثيراً على مفاجأة أمي دوماً بأي شيء تحبه، فمرة عاد إلى المنزل حاملاً في يده هدية لأمي، تفاجأت أمي حينما أخرجت الهدية من الكيس بأنها وجبة من أول مطعم تناولت فيه الطعام مع أبي بعد زواجهما! بكت أمي دموع الفرح لأنها اعتقدت أن المطعم أغلق من سنين و أنها لم تتوقع مثل هذه الهدية يوماً. كان وجه أبي متلألئً من فرحة أمي بالهدية. لا أزال أذكر تفاصيل تلك الليلة، دموع أمي، ملامح السعادة على محيا أبي، و الأجواء السعيدة التي حلقت فيها روحي.

التفاصيل الصغيرة!

أبي يا فراس هو شخصية معروفة في البلد، يستطيع تحريك الرجال بكلمة، فهو الآمر الناهي في مقر عمله، و من له اليد العليا في كل شيء، و مع ذلك كله فهو الذي يطبب أمي عند مرضها، و يولي اهتماماً أكبر بالجلوس معنا على الخروج مع أصدقائه. حتى أنه كثيراً ما اعتذر منهم أن يزوروه في بيته لأن أمي لا تشعر بصحة كافية لاستقبال الضيوف. هو يهتم كثيراً بها!

ما زال اسم أمي في جواله "حبيبتي" و لها نغمتها الخاصة بها. يحمل إليها الورود في كل مناسبة، و غير مناسبة. لا يحب منادتها بـ "أم خالد"، و هو أكبر إخوتي، بل باسمها. يغار عليها كثيراً، و يعلم مدى غيرتها عليه! عند ظهور إحدى الممثلات على الشاشة تقوم أمي بالتعليق على جمالها لاستدراجه، فيكون ذكياً إلى الحد الذي يرضي أنوثتها، هم دوماً تماثيل في نظره و هي الأنثى الحقيقية.

التفاصيل الصغيرة!

أبي هو شخص لا يقدم شيئاً على عائلته، يكون معنا في كل المناسبات، و لا ينسى مناسباتنا إلا نادراً، و إذا نسي يوماً يقوم بتعويضنا بمفاجآت أجمل. حينما كبرت و أصبحت في سن المراهقة جلس أبي يتحدث إلي عن حياته، كيف كان و إلاما أصبح، تحدث عن كل شيء و عن تعلقه بابنة جاره التي كان ينوي الزواج بها لولا حادث مرير أودى بحياتها، أخبرني أن الله عوضه بملاك هي أمي. كانت قصته يا فراس نبراساً للحب في عيني، و لم أزل حتى هذه اللحظة أنتظر زوجاً مثل أبي!

أبي يا فراس ليس بطلاً متفرداً عن بقية الآباء، أبي هو رجل كامل في ناظري ابنته، تحبه بكل ما في قلبها من ذرات حب، تحب لطفه و حبه و تعامله مع عائلته، حكمته و عدله و إيثاره و تسامحه. أنا لا أريد رجلاً يشتري قلبي بماله، و لكني أريد رجلاً يأسر قلبي بحبه و تعامله و تميزه. نعم أنا معجبة بأبي، و كل فتاة بأبيها معجبة.


أختك/ أريج

2012/09/07

أول يوم جامعة

أول يوم جامعة






 


تذكر هذه الكلمات جيداً: حياتك قبل الجامعة لن تكون هي ذاتها حياتك بعد الجامعة، ستتغير كثيراً !
هذه المقولة صحيحة بنسبة كبيرة جداً، إلا إذا لم تقم بأداء شيء في الجامعة، سوى حضور المحاضرات.


قبل الجامعة:
 
السؤال الأكثر إلحاحاً و الذي يتراود لأذهان جميع الطلبة: ما هو التخصص الذي يناسبني؟ نسبة كبيرة من الطلبة لا يعرف الإجابة لهذا السؤال، و لا يلام على ذلك حقيقة. بعد تخرجي من الثانوية و قد حصلت على معدل مرتفع فيها و في القياس أيضاً قررت دخول الطب، ليس محبة في التخصص و إنما لأن والدي و أخي الذي يكبرني قد سلكوا هذا المسلك قبلي و أصبحوا أطباء. فقررت ألا أكون أقل منهم. و بعد ٣ سنوات أدركت أن التخصص غير مناسب لي! لذلك قمت بالتحويل لتخصصي الحالي. و لأنني لن أتمكن من مساعدتك في تحديد تخصصك، ليس في الوقت الحالي على أقل تقدير، فإنني سأقوم بتوضيح بعض المؤشرات التي إن صادفتها في حياتك الجامعية فإنها لا تستلزم أن يكون تخصصك غير مناسب لك:

ـ إذا واجهتك صعوبة في بعض مواد التخصص لا تتوقع أن هذا مؤشر كافٍ بأن تخصصك لا يناسبك، فكل التخصصات تحتوي على مواد تصعب على الجميع.
ـ إذا لم تجد الحماسة الكافية للدراسة فلا تربط ذلك بعدم توافق ميولك مع تخصصك، فقد يكون السبب هو ضغط الدراسة عليك فقط.
ـ إذا لاحظت تفوق بعض زملائك عليك في بعض المواد فقد تكون قدراتهم أفضل منك في نواحي، و عليك اكتشاف النواحي التي تتفوق عليهم بها لتتساووا في تفوقكم الدراسي.
ـ صعوبة الاستيقاظ من النوم و كرهك للجامعة ستجده في أغلب التخصصات، حدوث هذا الشيء معك طبيعي، ستتأقلم عليه مع الوقت.

ذهبت مع أحد أصدقائي قبل عدة سنوات لحفل تخرجه الجامعي، و هو أحد طلبة الحاسب الآلي، كان يقول لي في الطريق إلى الحفل: فراس، لو بيدي الحين أسحب ملفي و أحول للطب كان حولت. بس قدر الله و ما شاء فعل! ستتوقع الآن أن معدله سيء إلى الدرجة التي لا تسمح له بالتوظيف؟ على النقيض تماماً، كان صديقي الأول على دفعته! و هو الآن يعمل في وظيفة أحلامه، و لا زلنا نضحك على كلامه تلك الليلة.

الضغوط قد تسبب لك تشوش في الحكم، فلا تبني عليها قرارات مصيرية لحياتك. 


أثناء الجامعة:
 
في يومك الجامعي الأول ستلاحظ كمية الاختلافات بين مدرستك سابقاً و بين جامعتك حالياً. ستنتقل:
١ـ من مفهوم الحصص إلى مفهوم الساعات.
٢ـ من مفهوم الفصل إلى مفهوم تنقلك بين القاعات.
٣ـ من مفهوم المدرسين و المدير إلى مفهوم الدكاترة و المعيدين و العمداء.
٤ـ من مفهوم "حنا حريصين عليك" إلى مفهوم "كل واحد مسؤول عن نفسه".


أولاً: مفهوم الساعات:
حينما تقرأ جدولك الجامعي لأول مرة ستتفاجأ بمفهوم الساعات الجديد عليك. المقصود فيه هو عدد الساعات الأسبوعية التي ستدرسها. و هنا نقطة مهمة: لا تدرس جميع موادك بجهد متساوٍ، احرص على المواد التي تحمل ساعات أكثر، ثم التي تليها. لا يعني هذا أن تهمل البقية و لكن أن توزع الجهد بالشكل الصحيح.

ثانياً: مفهوم التنقل بين القاعات:
بعض الجامعات تخفف على طلبة السنوات التحضيرية عبء التنقل بين القاعات، فيكون الفصل الدراسي الأول بأكمله في قاعة واحدة. و لكن هذه الحالة لن تستمر معك طويلاً. الأصل في الجامعة أن الدكتور ثابت في قاعات محددة و أنت الذي تنتقل إليه وقت المحاضرة.

ثالثاً: مفهوم الدكتور و المعيد و العميد:
لا تستح أبداً من قول أستاذ، لأنك مع الوقت ستتعود على كلمة دكتور. و هذه الكلمة سيعترض عليها بعض المعيدين لأنهم ليسوا دكاترة بعد. و لكن من الجميل أن تناديهم بدكتور احتراماً لهم. أما العميد فلكل كلية عميد وهو صاحب أعلى مرتبة في الكلية ـ على حد علمي ـ و إليه يرجع الأمر كله بعد الله في شؤون كليته. لذا، إذا واجهت أي مشكلة فعليك أن تمر بالسلم الطويل قبل ملاقاته لأن الحل في العادة في إحدى عتابات السلم.

رابعاً: مفهوم كل واحد مسؤول عن نفسه:
هذا المفهوم إن لم تتعلمه بالطريقة السهلة من هذا المقال فحتماً ستتعلمه بالطريقة الصعبة، في الجامعة. تريد أن تهرب من المحاضرة؟ أهرب! تريد أن تتغيب عن الجامعة ليوم كامل؟ لأسبوع؟ لشهر؟ تغيب! صدقني لن يتصل على أبيك أحد، و لن يكترث لغيابك أحد. و لكنها أيام قليلة حتى يظهر في جدولك كلمة "حرمان" و هذه الكلمة تعني أنك حرمت من هذه المادة لفصل كامل و ستأخذ صفر على عدم جديتك. أنت في الجامعة مسؤول عن نفسك. لن يلاحقك أحد و لن ينتبه لمستواك التعليمي شخص غيرك.



 بعد الجامعة:

ستتغير شخصيتك تماماً:
ـ ستتعلم كيفية الاعتماد على ذاتك بعد أن عشت سنواتك الجامعية كلها معتمداً على نفسك في أدائك الدراسي.
ـ ستتعلم أساليب المذاكرة الناجحة التي لم تستطع تعلمها في سنوات المدرسة التلقينية.
ـ ستتعلم طرق بناء العلاقات مع الآخرين لأن الجامعة تضم أشكالاً مختلفة و قاعات مختلفة و تخصصات مختلفة. في كل قاعة ستجد صديقاً جديداً مميزاً.
ـ ستتعلم أهمية العمل الجماعي و روح التعاون. نقطة مهمة: يجب أن يكون لديك صديق في كل مادة، حتى إذا ما غبت يوماً اتصلت عليه ليخبرك ما فاتك.
ـ ستبرز مواهبك أكثر. ففي الجامعة هناك ناد لكل شيء: نادٍ للقراءة، للشعر، للمسرح، للإنجليزي...إلخ
ـ سترسم شخصيتك لبقية الحياة. لأن أصدقاء الجامعة هم في الغالب أصدقاء الحياة، و لأنك عشت أهم سنوات عمرك في أروقة الجامعة حتى تشكلت شخصيتك.


سنوات الجامعة حقاً هي أجمل سنوات حياتك إن عشتها بكل ما فيها. لا تكن مجرد طالب دخل إلى الجامعة من أجل الشهادة و خرج بها فقط. خالط الناس و شارك في الأنشطة و قم بأداء واجباتك بنفسك و تعلم كل المهارات التي يمكنك تعلمها. حتى لو لم تضف لك في سجلك الأكاديمي شيئاً أعدك بأنك ستجدها ذات فائدة يوماً في حياتك.

و لأنني لم أرد أن أطيل عليك يا ضديقي قراءة هذه التدوينة لم أتعمق في أساليب الدراسة الجامعية التي بها ستتمكن من الحصول على أعلى الدرجات بإذن الله. و لكن يمكنك زيارة تدوينتي السابقة: ذاكر يا دافور و التي فيها ذكرت إحدى طرق المذاكرة للاختبارات.


كل المنى لكم بسنوات جميلة في جامعاتكم.